من غزة إلى الخليج كيف يحاول نتنياهو إعادة هندسة العدو في وعي الشباب العربي؟

من غزة إلى الخليج كيف يحاول نتنياهو إعادة هندسة العدو في وعي الشباب العربي؟
يحلل النص الحرب الإعلامية الإسرائيلية الأمريكية لإعادة تعريف العدو في وعي الشباب العربي، محاولاً تحويل التركيز من غزة إلى إيران، مع التأكيد على أهمية وعي الشعوب في كشف الحقائق وتمييز العدو الحقيقي....

لم تعد الحرب في المنطقة تُخاض بالصواريخ وحدها، بل باتت تُدار على مستوى الوعي، في لحظة تتقاطع فيها المواجهة العسكرية الجارية بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهة، والجمهورية الإسلامية من جهة أخرى، مع معركة أعمق تستهدف إعادة تشكيل إدراك الشعوب وتوجيه بوصلة العداء. فبعد ما خلّفته الحرب على غزة من مجازر وابادة ودمار واسع وسقوط عشرات الاف من الضحايا المدنيين ، تشكّل وعي عربي جديد، خصوصًا لدى الأجيال الشابة، يقوم على رفض واضح للكيان الصهيوني باعتباره المسؤول الأول عن هذه المأساة.

هذا التحول وضع الكيان الصهيوني أمام مأزق استراتيجي حقيقي، إذ لم يعد ممكنًا احتواء الغضب الشعبي العربي أو الدولي، ما دفعه إلى البحث عن مسارات بديلة لإعادة توجيه هذا الغضب. ومن هنا بدأت تتبلور استراتيجية قائمة على نقل مركز الصراع في الوعي العربي من تل أبيب إلى طهران، عبر تكثيف خطاب إعلامي يروّج لفكرة أن الخطر الحقيقي على المنطقة لم يعد نابعًا من الاحتلال، بل من الجمهورية الإسلامية.

في سياق الحرب الدائرة اليوم، جرى تسويق الضربات التي تستهدف القواعد الأمريكية في المنطقة على أنها استهداف للدول العربية، في محاولة لإثارة مخاوف إقليمية وخلق بيئة توتر مفتوح. هذا الخطاب يتعمد تجاهل طبيعة الصراع الفعلية، ويعمل على إعادة تعريفه بما يخدم أهدافًا سياسية وإعلامية، في مقدمتها تبرئة الكيان الصهيوني من جرائمه وتحويله إلى طرف يدّعي الدفاع عن نفسه في مواجهة “تهديد إقليمي”.

بالتوازي مع ذلك، تتصاعد محاولات جرّ دول الخليج إلى قلب هذه المواجهة، ليس بوصفها أطرافًا مباشرة، بل كأدوات لإعادة إنتاج الانقسام العربي-الإقليمي، بما يؤدي إلى تشتيت الانتباه عن غزة، وإضعاف موجة الرفض الشعبي التي تشكّلت بفعل مشاهد الإبادة. فكلما اتسعت دائرة الحرب، تراجعت مركزية القضية الفلسطينية، وتحوّلت الأنظار إلى صراعات أخرى يجري تضخيمها إعلاميًا.

هذه الاستراتيجية لا تستهدف فقط إعادة توجيه الرأي العام، بل تسعى أيضًا إلى طمس سجل الكيان الصهيوني في غزة، عبر إغراق المشهد بسرديات متناقضة وخلق وقائع بديلة. وفي هذا الإطار، برزت محاولات لخلط الأوراق عبر عمليات غامضة ونسب هجمات إلى أطراف مختلفة، بهدف تأجيج التوتر الإقليمي وتكريس صورة مضللة عن طبيعة الصراع.

أما الدور الأمريكي، فيظهر بوصفه عنصرًا حاسمًا في هذه المعادلة، حيث بات يشكّل غطاءً سياسيًا وعسكريًا لهذه الحرب، ويوفر للكيان الصهيوني القدرة على الاستمرار في نهجه دون مساءلة حقيقية. هذا الانخراط لا يعكس فقط تحالفًا تقليديًا، بل يكشف عن مستوى عالٍ من التماهي مع المشروع الصهيوني في إدارة الصراع وإعادة تشكيله.

في المقابل، تؤكد الجمهورية الإسلامية أن تحركاتها تأتي ضمن إطار مواجهة الوجود العسكري الأمريكي، وليس في سياق استهداف الدول العربية، إلا أن المعركة لم تعد تُحسم بالوقائع الميدانية بقدر ما تُحسم بطريقة عرض هذه الوقائع وتفسيرها. وهنا تتجلى خطورة الحرب الإعلامية التي تسعى إلى قلب الحقائق وإعادة ترتيب أولويات الشعوب.

المنطقة اليوم أمام صراع مركّب، تتداخل فيه الجبهات العسكرية مع الجبهات الإعلامية، حيث يحاول الكيان الصهيوني، بدعم أمريكي، إعادة تعريف العدو في وعي الشعوب العربية، وتحويل الأنظار عن غزة، وعن سجل طويل من الاعتداءات التي طالت لبنان واليمن والعراق وسوريا وإيران. وبين هذا وذاك، يبقى الرهان الحقيقي على وعي الشعوب وقدرتها على التمييز بين العدو الحقيقي والعدو الذي يُراد صناعته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *