منذ عام ٢٠٠٣ دخل العراق مرحلة سياسية جديدة بُنيت على أسس التعددية والدستور والتداول السلمي للسلطة، وكان يُفترض أن تشكل هذه المرحلة نقطة انطلاق نحو بناء دولة مستقرة تمتلك مؤسسات قوية ورؤية واضحة لمستقبلها السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي. إلا أن ما جرى خلال أكثر من عقدين كشف أن العراق، رغم امتلاكه جميع مقومات الدولة، ما يزال يعيش حالة انتقال غير مكتملة بين إسقاط النظام وبين تأسيس الدولة الحقيقية.
إن تحميل مسؤولية ما وصل إليه العراق لطرف واحد أو حكومة بعينها لا يعكس حقيقة المشهد بشكل موضوعي، لأن جميع القوى السياسية التي شاركت في العملية السياسية كانت جزءًا من صناعة القرار وإدارة الدولة، كما أن الشعب نفسه يبقى جزءًا من معادلة المسؤولية من خلال المشاركة في اختيار ممثليه أو العزوف عن المشاركة أو السكوت عن مكامن الخلل. فالديمقراطية لا تقوم على حق الاختيار فقط، بل على مسؤولية الاختيار والمحاسبة والمطالبة بالإصلاح، ولذلك فإن كل من تسلم مسؤولية في الدولة، من أعلى هرم السلطة إلى أصغر مفصل إداري، هو نتاج مباشر للعملية السياسية بكل ما حملته من نجاحات وإخفاقات.
واليوم يقف العراق أمام واحدة من أخطر المراحل في تاريخه الحديث، بسبب حجم التحولات الدولية والإقليمية المتسارعة، والصراعات المفتوحة التي تعيد رسم خرائط النفوذ والقوة في المنطقة. فالعراق بحكم موقعه الجيوسياسي وثرواته الطبيعية وحدوده وتشابكاته السياسية والاجتماعية أصبح في قلب الأزمة لا على هامشها، خصوصًا مع استمرار العدوان الأمريكي والكيان الصهيوني على إيران ولبنان واليمن الذي ينعكس بشكل مباشر على الداخل العراقي سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا وحتى اجتماعيًا وتعرض العراق الى عدوان لكن ليس بحجم الدول التي ذكرناها .
فأمريكا ما تزال تنظر إلى العراق بوصفه جزءًا من أمنها القومي وأمن أسرائيل كما تروج له وتربطه بمصالحها الاستراتيجية في الشرق الأوسط، ولا تبدو مستعدة للتخلي عن نفوذها فيه، خصوصًا مع أهمية العراق في ملف الطاقة وموقعه الجغرافي المؤثر وحدوده الطويلة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي تتجاوز ألفًا ومئتي كيلومتر. وفي المقابل، تنظر إيران إلى العراق باعتباره عمقًا استراتيجيًا وأمنيًا وعقائديًا واجتماعيًا، ما يجعل العراق ساحة تداخل معقدة للمصالح والصراعات الإقليمية والدولية.
هذه التحديات انعكست بشكل واضح على طبيعة المواقف السياسية داخل العراق، وأنتجت انقسامًا في فهم العلاقة مع الولايات المتحدة وإيران وطبيعة التموضع السياسي لكل مكون من مكونات المجتمع العراقي. ففي الوسط الكردي توجد علاقة استراتيجية تاريخية مع الولايات المتحدة والغرب، ترتبط بحسابات سياسية وأمنية ورؤية خاصة بطبيعة النظام الاتحادي ومستقبل الإقليم، بينما تتأثر أغلب القوى السياسية السنية بالتحالفات العربية والإقليمية، خصوصًا الخليجية منها، وما تفرضه تلك التحالفات من مواقف سياسية تنسجم إلى حد كبير مع التوجه الأمريكي في المنطقة.
أما داخل البيت الشيعي، فالمشهد أكثر تعقيدًا وتنوعًا، إذ توجد قوى تتبنى موقفًا عقائديًا وسياسيًا رافضًا للوجود والهيمنة الأمريكية، وترى نفسها منسجمة مع الجمهورية الإسلامية ومحور المقاومة، في مقابل قوى أخرى تتعامل بمنطق براغماتي قائم على التوازن بين المصالح والعلاقات الدولية، فيما تتجه أطراف ثالثة نحو الولايات المتحدة والغرب باعتبارهما جزءًا من معادلة الاستقرار والدعم الدولي . ومع ذلك، فإن المزاج الشعبي الشيعي العام يبقى أكثر تعاطفًا مع الجمهورية الإسلامية في كثير من الملفات، نتيجة البعد العقائدي والديني وتأثير المرجعية الدينية التي تمثل عنصرًا حاسمًا في تشكيل الوعي الجمعي والموقف السياسي لدى قطاعات واسعة من المجتمع.
وفي خضم هذا التعقيد السياسي، برزت المرجعية الدينية بوصفها المؤسسة الأكثر حضورًا وتأثيرًا في اللحظات المصيرية التي مر بها العراق بعد عام ٢٠٠٣، إذ لعبت دورًا أساسيًا في دعم كتابة الدستور والدفع نحو الاحتكام إلى صناديق الاقتراع والحفاظ على المسار السياسي رغم تحفظاتها على كثير من الممارسات السياسية وآليات الحكم. كما شكلت الفتوى التاريخية لمواجهة تنظيم داعش نقطة تحول مفصلية في تاريخ العراق الحديث، عندما كان خطر انهيار الدولة يهدد بغداد والمحافظات العراقية بعد سيطرة التنظيم الإرهابي على مساحات واسعة من البلاد. وقد ساهمت تلك الفتوى في إعادة تنظيم القوة المجتمعية والعسكرية للدفاع عن العراق ومنع سقوط الدولة، فيما حافظت المرجعية في الوقت نفسه على مبدأ ترك إدارة الدولة واختيار الحكومات للشعب والقوى السياسية، مع تدخلها فقط في اللحظات التي تهدد وجود العراق ووحدة مجتمعه واستقراره.
لكن الأزمة العراقية الحقيقية لم تكن يومًا أزمة موارد أو إمكانات، فالعراق يمتلك ثروات طبيعية هائلة وموقعًا جغرافيًا استثنائيًا وموارد بشرية قادرة على النهوض بالدولة، بل إن مشكلته الأساسية تكمن في غياب الرؤية الاستراتيجية طويلة الأمد لبناء الدولة. فالحكومات المتعاقبة أدارت الأزمات أكثر مما بنت المشاريع، وتعاملت مع الملفات الكبرى بمنطق المعالجات الآنية وردود الأفعال، لا بمنطق التخطيط الاستراتيجي الذي يؤسس لدولة مستقرة وقادرة على الاستمرار.
ولهذا بقيت مشاريع التنمية متقطعة والسياسات متغيرة والبرامج الحكومية مرتبطة بالأشخاص والتحالفات أكثر من ارتباطها بالأهداف الوطنية الثابتة، فأصبحت الدولة تدور في حلقة من الفوضى السياسية والإدارية والتخبط في الأولويات، في وقت أثبتت فيه تجارب الدول الناجحة أن بناء الدولة لا يتحقق إلا عبر رؤية وطنية شاملة تتفق عليها القوى السياسية والمجتمعية وتتحول إلى مشروع ملزم للحكومات المتعاقبة بغض النظر عن تغيرها.
إن العراق بحاجة حقيقية إلى مشروع وطني استراتيجي يمتد لعشرين عامًا على الأقل، يحدد شكل الدولة التي يريدها العراقيون ويرسم أولويات البناء والتنمية والسيادة والاقتصاد والتعليم والأمن والصناعة والتكنولوجيا والطاقة، على أن تُصاغ هذه الرؤية بمشاركة الدولة والجامعات ومراكز الدراسات والخبراء والمؤسسات الاقتصادية والأمنية، ثم تُعرض على مجلس النواب للتصويت عليها بوصفها وثيقة وطنية عليا تلتزم بها الحكومات المتعاقبة، بحيث يصبح معيار نجاح أي حكومة مقدار ما تحققه من أهداف هذه الرؤية، لا حجم خطابها الإعلامي أو قدرتها على إدارة التوازنات السياسية المؤقتة.
كما أن أي مشروع حقيقي لبناء الدولة لا يمكن أن ينجح دون بناء منظومة أمنية محترفة وقوية وقادرة على حماية السيادة والحدود والاستقرار الداخلي، وهو ما يتطلب تطوير الجيش والشرطة والأجهزة الاستخبارية والحشد الشعبي ضمن عقيدة وطنية تحمي الدولة وتمنع الانهيار الأمني، مع التركيز على التكنولوجيا العسكرية الحديثة ومنظومات الدفاع الجوي والرادارات والطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية والأمن السيبراني، إضافة إلى تأمين الحدود وإعادة تموضع الجيش في ثكناته الطبيعية لحماية الحدود العراقية في ظل التحديات الإقليمية المتصاعدة.
وفي موازاة ذلك، أصبحت الحاجة ملحة لبناء جهاز استخباري محترف داخلي وخارجي يمتلك القدرة على التعامل مع طبيعة الحروب الحديثة التي لم تعد تعتمد فقط على القوة العسكرية، بل على المعلومات والحرب الإدراكية والتأثير النفسي والسيطرة على الرأي العام. ومن هنا تبرز أهمية بناء إعلام وطني مهني يمتلك القدرة على صناعة الوعي وإدارة المعركة الإدراكية داخليًا وخارجيًا، بعيدًا عن الانفعال والخطابات الحزبية الضيقة، مع ضرورة تحويل الجامعات ومراكز الدراسات إلى شريك فعلي في صناعة القرار السياسي والأمني والاقتصادي، لأن الدول المتقدمة تبني قراراتها على المعرفة والخبراء والدراسات لا على ردود الأفعال والمزاج السياسي.
إن العراق لا يحتاج اليوم إلى المزيد من الشعارات بقدر حاجته إلى إرادة سياسية وطنية تمتلك الشجاعة للانتقال من منطق السلطة إلى منطق الدولة، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل. فالعراق يمتلك دستورًا وتداولًا سلميًا للسلطة وموارد طبيعية هائلة وموقعًا جغرافيًا يجعل منه مركزًا مهمًا للاستثمار والطاقة والتجارة، كما أن تجارب الدول الناجحة تؤكد أن النهوض ليس مستحيلًا متى ما توفرت الرؤية والإرادة السياسية والإدارة الكفوءة.
لقد استطاعت دول مثل ماليزيا وتركيا وإيران أن تبني، بدرجات متفاوتة، مشاريع دولة قائمة على التخطيط والاستثمار في الإنسان والسيادة والاقتصاد والمعرفة، ولم يكن ذلك نتيجة الصدفة، بل نتيجة وجود رؤية واضحة ومؤسسات قادرة على الاستمرار رغم الأزمات والتحديات. والعراق يمتلك إمكانات أكبر من كثير من الدول التي نجحت، لكنه ما يزال بحاجة إلى الانتقال من عقلية إدارة الانقسام والصراع إلى عقلية بناء الدولة.
وبعد أكثر من عقدين على التغيير، ما يزال العراق يمتلك فرصة تاريخية لإعادة تعريف نفسه كدولة مستقرة وقوية ومؤثرة في المنطقة، لكن هذه الفرصة لن تتحقق ما لم تتوفر قيادة سياسية تؤمن بمشروع الدولة لا بمشروع السلطة، وشعب يدرك أن بناء الأوطان يحتاج إلى وعي وصبر ومشاركة ومسؤولية وإرادة حقيقية تتجاوز الحسابات الضيقة والانقسامات المؤقتة.
فالعراق لا تنقصه الثروات ولا الطاقات ولا الإمكانات، بل تنقصه الرؤية الجامعة والإرادة الحقيقية لبناء دولة تستطيع حماية شعبها وسيادتها ومستقبل أجيالها، وتخرج من دائرة الأزمات المزمنة إلى فضاء الدولة المستقرة القادرة على الصمود والنهوض وصناعة المستقبل.


