منذ أن أعلن الكيان الصهيوني ما وصفه بـ“استعادة الردع” على الجبهة الشمالية، سعت المؤسسة العسكرية والإعلامية الإسرائيلية إلى تسويق صورة انتصار توحي بأن الجيش ما زال يسيطر على الميدان ويمتلك زمام المبادرة. إلا أن الوقائع الميدانية، إلى جانب التقارير العبرية نفسها، كشفت أن ما يجري على الأرض ليس استعادةً للردع بقدر ما هو استنزاف يومي متواصل أصاب جزءًا كبيرًا من هيبة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وأظهر عجز الاحتلال عن توفير الحماية الكاملة لجنوده ومستوطنيه رغم تفوقه العسكري والتقني.
المقاومة، من جهتها، لم تدخل المواجهة بعقلية الحرب التقليدية، بل اعتمدت على استنزاف متدرج قائم على الضربات الدقيقة بالطائرات المسيّرة والكمائن والعبوات، ما جعل الجبهة الشمالية تعيش حالة إنهاك دائم حتى خلال فترات التهدئة. ولم تعد العمليات ذات طابع رمزي أو محدود، بل تحولت إلى ضغط ميداني متواصل استهدف الجنود والآليات ومنظومات الدفاع بصورة متكررة، وأدى إلى سقوط قتلى وجرحى بشكل شبه يومي، في وقت كان يفترض فيه أن يتحرك الجيش الإسرائيلي بحرية كاملة داخل مناطق عملياته.
وبحسب تقديرات وتقارير عبرية متداولة، تكبد الاحتلال خسائر بشرية وميدانية ونفسية متصاعدة، شملت قتلى وجرحى في صفوف القوات العسكرية، واستهداف آليات ومدرعات ومنظومات دفاع جوي، فضلًا عن عمليات إخلاء متكررة وإصابات في وحدات نخبة، بالتوازي مع حالة شلل وخوف مستمرة في المستوطنات الشمالية.
الأخطر أن الإعلام العبري نفسه بدأ يكشف حجم الأزمة المتفاقمة داخل المؤسسة العسكرية، إذ تحدثت تقارير إسرائيلية عن جنود تحولوا إلى “أهداف مكشوفة”، وعن عجز متزايد في مواجهة المسيّرات المفخخة التي باتت تشكل تهديدًا يوميًا للجبهات والقواعد العسكرية. كما تداولت وسائل إعلام عبرية مشاهد وإفادات لجنود يستخدمون وسائل حماية بدائية في مواجهة الهجمات الجوية، في مؤشر يعكس حجم القلق والارتباك داخل الميدان.
ولم تعد الأزمة مقتصرة على الجانب العسكري فحسب، بل امتدت إلى الداخل الإسرائيلي نفسه، حيث تحولت المستوطنات الشمالية إلى مناطق خوف واستنزاف اقتصادي ونفسي، مع استمرار النزوح وتعطيل الحياة العامة. وفي المقابل، تصاعدت الانتقادات الموجهة إلى حكومة بنيامين نتنياهو والقيادة العسكرية بسبب استمرار حالة الاستنزاف دون تحقيق حسم واضح أو توفير حماية كافية للجنود والمستوطنين.
أما على المستوى الاستراتيجي، فقد نجحت المقاومة في نقل المواجهة من حدود الاشتباك العسكري إلى حرب وعي حقيقية. فمشاهد استهداف الآليات والقواعد العسكرية وإصابة منظومات الدفاع الجوي لم تعد مجرد عمليات ميدانية، بل تحولت إلى رسائل مباشرة تستهدف صورة “الجيش الذي لا يُقهر” وهي الصورة التي شكّلت لعقود أحد أهم أعمدة الردع الإسرائيلي.
ولهذا السبب، فرض الاحتلال رقابة مشددة على كثير من تفاصيل الخسائر والحوادث الميدانية، لأن الخطر لم يعد مرتبطًا بعدد القتلى فقط، بل بات متعلقًا باهتزاز ثقة المجتمع الإسرائيلي بقدرة جيشه على الحماية والردع. فالدولة التي قامت على فكرة “الأمن المطلق” تجد نفسها اليوم أمام جبهة تستنزفها يوميًا، وتكشف حدود القوة العسكرية حين تواجه خصمًا يعتمد على حرب استنزاف طويلة النفس، تجمع بين الضغط الميداني والتأثير النفسي والإعلامي في آنٍ واحد.
إن أخطر ما أفرزته هذه المواجهة أن إسرائيل لم تعد تواجه تهديدًا عسكريًا تقليديًا فحسب، بل أزمة ردع وثقة تتآكل تدريجيًا مع كل عملية استنزاف جديدة. ولهذا لم تعد معركة الشمال مجرد مواجهة حدودية عابرة، بل تحولت إلى اختبار استراتيجي عميق أصاب صورة الاحتلال وهيبته وثقة جمهوره في العمق.


