لم يعد مضيق هرمز في هذه المرحلة مجرد عنوان جغرافي أو تفصيل عسكري ضمن حرب إقليمية، بل تحوّل إلى نقطة اختبار حقيقية لقدرة النظام الاقتصادي العالمي على الصمود أمام صدمات متسارعة ومعقّدة. فمع انتقال العمليات العسكرية إلى استهداف بنية الطاقة، لم تعد الأسواق تتعامل مع الأزمة بوصفها توتراً عابراً، بل كتحوّل نوعي يطال أحد أهم مفاصل الاستقرار الاقتصادي العالمي.
التطورات الأخيرة، ولا سيما استهداف منشآت الغاز الإيرانية، كشفت أن الحرب اقتربت من البنية التي يقوم عليها توازن العرض في سوق الطاقة، وهو ما انعكس سريعاً على الأسواق عبر قفزة أسعار النفط إلى ما فوق 119 دولاراً للبرميل، في مؤشر واضح على انتقال القلق من مستوى التوقع إلى مستوى الخطر الفعليو
فلو حللنا المشهد في سياقه الاقتصادي الاستراتيجي الأوسع، لتبيّن أن النظام الاقتصادي العالمي لا يقوم على وفرة الطاقة وحدها، بل على انتظام تدفقها عبر ممرات آمنة، ضمن كلف نقل محسوبة ومخاطر تأمين قابلة للاحتواء، وعندما تتعرض منشآت الإنتاج للاستهداف وتقترب التهديدات من مراكز التصدير الحيوية مثل جزيرة خرج، فإن ذلك يعني أن الحرب انتقلت إلى قلب منظومة الإمداد لا إلى أطرافها.
ومن هنا يمكن فهم قفزة الأسعار بوصفها نتيجة لتغير هيكلي في تقدير المخاطر، فالسوق لم تعد تسعّر احتمال نقص مؤقت في الإمدادات، بل تسعّر احتمال اضطراب مستمر في سلاسل الإنتاج والنقل معاً، وهو ما يجعل أي تصعيد إضافي قابلاً لأن يتحول إلى صدمة أوسع تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من قطاع الطاقة.
وفي هذا السياق، يكتسب التصريح الإيراني بشأن دراسة فرض رسوم على عبور السفن في مضيق هرمز دلالة خاصة، لأنه يشير إلى انتقال محتمل نحو استخدام أدوات ضغط اقتصادية بديلة عن الإغلاق المباشر، فهذه الآلية لا توقف الملاحة بالكامل لكنها تعيد تشكيل كلفتها وترفع من مستوى المخاطر، ما ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة والتجارة العالمية.
وهنا يتضح أن المضيق لم يعد مجرد ممر لعبور النفط، بل أصبح أداة مؤثرة في التسعير العالمي وفي إدارة الصراع الجيوسياسي، فكل ارتفاع في مستوى المخاطر داخله يترجم إلى زيادة في كلفة الطاقة، ومنها إلى ارتفاع عام في تكاليف الإنتاج والنقل، الأمر الذي يفتح الباب أمام موجة تضخمية جديدة في اقتصاد عالمي لم يستعد توازنه بالكامل بعد.
أما دول الخليج، فإنها تجد نفسها أمام معادلة دقيقة، فارتفاع الأسعار يمنحها مكاسب مالية على المدى القصير، لكنه في الوقت نفسه يضع صادراتها تحت تهديد مستمر، خصوصاً إذا ما توسعت دائرة الاستهداف لتشمل البنية التحتية أو الممرات البحرية، ورغم وجود بدائل جزئية عبر خطوط الأنابيب، إلا أنها لا يمكن أن تعوض الدور المركزي لمضيق هرمز.
وفي سياق التكيّف مع هذه التحولات، بدأت الدول الصناعية، وفي مقدمتها الاتحاد الأوروبي، بالبحث عن بدائل سريعة وآمنة لتأمين احتياجاتها من الطاقة، سواء عبر تنويع مصادر الاستيراد أو تسريع مشاريع الربط وخطوط الأنابيب، بما يقلل من الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة.
أما العراق، فإن إدخاله في هذه المعادلة لا يأتي من موقع جغرافي فحسب، بل من طبيعة اقتصاده الريعي، إذ يعتمد بصورة شبه كاملة على عائدات النفط في تمويل موازنته، ما يجعله من أكثر الدول تأثراً بأي اضطراب في تدفق الصادرات أو استقرار الأسعار، وفي ظل هذا الاعتماد، لا يُنظر إلى النفط كمورد اقتصادي فقط، بل كعمود فقري للدولة بكل التزاماتها المالية.
وعليه، فإن أي خلل في انسياب النفط أو ارتفاع في كلف التصدير والتأمين نتيجة التوترات في مضيق هرمز قد لا ينعكس فقط على الإيرادات، بل قد يهدد التوازن المالي للدولة، فالمشكلة لا تكمن في سعر البرميل وحده، بل في القدرة على تصديره بشكل منتظم وآمن، وفي حال تعطل هذا التدفق، فإن الموازنة قد تواجه فجوة حرجة في ظل محدودية البدائل الاقتصادية.
ومن هنا، تبرز أهمية المسارات البرية البديلة، إذ إن العراق يستطيع تعزيز مرونة صادراته عبر تفعيل وتطوير خط أنبوب جيهان، بما يوفّر منفذاً إضافياً بعيداً نسبياً عن تعقيدات الخليج ومخاطر مضيق هرمز، وهذا التوجه لم يعد خياراً فنياً بل ضرورة اقتصادية وسيادية.
وخلاصة القول، فإن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر مائي، بل أصبح معياراً لقياس تماسك النظام الاقتصادي العالمي، فكل تطور في محيطه يعيد رسم خريطة المخاطر، ويؤكد أن هذا الممر الضيق قادر في لحظات التوتر على أن يهز توازنات عالمٍ بأسره.


