صدمة القوة الصامتة…

صدمة القوة الصامتة...
استراتيجيات إيران العسكرية المبنية على الابتكار والمرونة والكلفة المنخفضة أعادت تشكيل ميزان القوة الإقليمي، محدثة قلقاً كبيراً في واشنطن وتل أبيب والخليج، وأظهرت أن الإرادة السياسية والتكنولوجيا العسكرية قادرة على مواجهة القوى الكبرى....

كيف قلبت إيران حسابات واشنطن وأقلقت الخليج وتل أبيب

لم تأتِ المفاجأة التي أحدثتها إيران في الحسابات العسكرية والسياسية لواشنطن وتل أبيب من ضربة واحدة أو حدث مفاجئ، بل من مسار طويل من التحولات الهادئة التي جرت بعيداً عن ضجيج الإعلام، فخلال سنوات العقوبات الاقتصادية والعزلة السياسية اعتقد كثير من صناع القرار في الغرب أن الضغط المتواصل سيجعل القدرة العسكرية الإيرانية محدودة وأن الفجوة التكنولوجية بينها وبين الولايات المتحدة ستبقى واسعة إلى درجة تمنع أي تحول جدي في ميزان القوة.

غير أن ما جرى خلال السنوات الأخيرة كشف أن إيران لم تكن تحاول مجاراة النموذج العسكري الأمريكي القائم على حاملات الطائرات والقواعد الضخمة والتفوق الجوي المطلق، بل كانت تبني نموذجاً مختلفاً يقوم على المرونة والكلفة الأقل والقدرة على تحويل الأدوات المتاحة إلى قدرات عسكرية فعالة، وهو ما يمكن وصفه بعقيدة الابتكار تحت الحصار.

فبدلاً من الاستثمار في منصات عسكرية باهظة الكلفة اختارت طهران مساراً يقوم على تطوير الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية وتكتيكات الإرباك العملياتي مع التركيز على ما يعرف في الفكر العسكري بقدرة الإغراق العملياتي، أي إطلاق أعداد كبيرة من الأهداف في توقيتات متزامنة ومن اتجاهات متعددة بما يضع منظومات الدفاع تحت ضغط هائل ويجعل تكلفة الدفاع أعلى بكثير من تكلفة الهجوم.

ومن الأمثلة اللافتة على هذا النهج ما قامت به إيران من تحوير بعض المنصات المدنية إلى أدوات عسكرية، فقد جرى تحويل سفينة شحن عملاقة إلى منصة بحرية لإطلاق الطائرات المسيّرة تعمل أشبه بحاملة مسيّرات عائمة في البحر، وهي خطوة تعكس محاولة إيجاد بدائل منخفضة الكلفة لحاملات الطائرات التقليدية التي تتطلب ميزانيات ضخمة وبنية صناعية معقدة.

كما أن برامج إطلاق الأقمار الصناعية التي طورتها إيران خلال العقدين الماضيين لم تُقرأ في الأوساط الاستراتيجية الغربية بوصفها مشروعاً فضائياً علمياً فقط، بل باعتبارها جزءاً من مسار تكنولوجي أوسع يتعلق بتطوير منظومات الدفع الصاروخي بعيدة المدى، فالتقنيات المستخدمة في الصواريخ الحاملة للأقمار الصناعية مثل الدفع متعدد المراحل وأنظمة التوجيه والتحكم هي نفسها الأسس الهندسية التي تقوم عليها الصواريخ الباليستية بعيدة المدى.

وفي هذا السياق يرى عدد من المراقبين والمحللين العسكريين أن التطور المتسارع في البرنامج الصاروخي الإيراني فتح باباً واسعاً للنقاش في مراكز الدراسات الاستراتيجية حول المدى الحقيقي لهذه القدرات، إذ تشير بعض التقديرات إلى أن إيران قد تكون وصلت فعلياً إلى مرحلة تمتلك فيها صواريخ بعيدة المدى قادرة نظرياً على قطع مسافات عابرة للقارات قد تمتد إلى الساحل الشرقي للولايات المتحدة وربما إلى واشنطن نفسها.

لكن ما جرى خلال الأيام الماضية وضع صورة القوة الأمريكية أمام لحظة محرجة في نظر كثير من المراقبين، فالقوة التي اعتادت تقديم نفسها بوصفها الضامن النهائي للأمن في المنطقة وجدت أن منظومات الردع التي بنتها خلال عقود أصبحت تواجه اختباراً صعباً أمام نمط الحرب القائم على الصواريخ الكثيفة والطائرات المسيّرة، الأمر الذي كشف أمام الحلفاء قبل الخصوم أن الهيبة العسكرية الأمريكية لم تعد كما كانت في العقود الماضية.

أما إسرائيل فقد وجدت نفسها أمام مستوى غير مسبوق من القلق الاستراتيجي، فالدولة التي بنت أمنها على التفوق العسكري المطلق وعلى الحماية الأمريكية تدرك في قرارة مؤسساتها الأمنية أنها كيان صغير جغرافياً وضعيف بنيوياً أمام حرب استنزاف طويلة، ولهذا كانت دائماً تختبئ خلف القوة الأمريكية بوصفها الضامن الأخير لأمنها، لكن اتساع نطاق التهديدات الصاروخية في المنطقة جعل العمق الإسرائيلي نفسه ضمن دائرة الخطر.

وفي المقابل يرى بعض المحللين أن صمود إيران في مواجهة الضغوط العسكرية والاقتصادية منح ثقة لعدد من الدول التي كانت تنظر إلى المواجهة مع الولايات المتحدة باعتبارها أمراً شبه مستحيل، فالتجربة الإيرانية أظهرت أن الإرادة السياسية والقدرة على تطوير أدوات قتال غير تقليدية يمكن أن تخلق توازناً جديداً حتى في مواجهة قوى عظمى.

أما دول الخليج فقد وجدت نفسها في وضع شديد الارتباك، فالدول التي اعتمدت طويلاً على المظلة الأمنية الأمريكية اكتشفت أن منشآتها ومدنها يمكن أن تتحول في أي لحظة إلى جزء من ساحة الصراع، خصوصاً بعد سقوط صواريخ في بعض مدنها خلال الأيام الماضية، وهو ما خلق حالة قلق عميق داخل هذه الدول التي تدرك أن أي حرب إقليمية واسعة قد تضع أنظمتها السياسية والاقتصادية أمام اختبار صعب.

وسط هذه المعادلة المعقدة يقف العراق في موقع بالغ الحساسية، فالعراق ليس مجرد جار لإيران بل يمثل نقطة التقاء لمصالح إقليمية ودولية متعددة، ولهذا فإن أي تغير في ميزان القوة في الشرق الأوسط ينعكس مباشرة على واقعه السياسي والأمني والاقتصادي.

إن ما يجري اليوم في المنطقة قد لا يكون مجرد تصعيد عسكري عابر بل بداية مرحلة مختلفة في شكل الصراع الإقليمي، مرحلة تتداخل فيها التكنولوجيا العسكرية مع الحسابات الجيوسياسية ومع تحولات النظام الدولي نفسه، وفي مثل هذه اللحظات التاريخية يصبح فهم ما يحدث بعمق وهدوء ضرورة حقيقية لأن التحولات التي تتشكل اليوم قد ترسم ملامح الشرق الأوسط لسنوات طويلة قادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *