يقف العراق اليوم أمام فرصة تاريخية قد لا تتكرر كثيراً في مسار الدول، فبعد سنوات طويلة من الحروب والأزمات والتقلبات السياسية، تبدو البلاد أمام مرحلة جديدة يمكن أن تؤسس لتحول اقتصادي وتنموي واسع إذا ما توفرت الإدارة الكفوءة والاستقرار السياسي والرؤية الواضحة لبناء الدولة.
وفي ظل صعود علي الزيدي بدعم من الإطار التنسيقي، إلى جانب ما يبدو أنه مقبولية محلية وإقليمية ودولية متنامية، يبرز حديث متزايد عن إمكانية الانتقال بالعراق من حالة الاقتصاد الريعي التقليدي إلى اقتصاد متنوع قادر على استثمار الثروات الهائلة التي يمتلكها البلد وتحويلها إلى مشاريع تنمية حقيقية تخدم الأجيال القادمة وتحفظ مكانة العراق الإقليمية والدولية.
فالعراق لا يعاني من نقص في الموارد، بل ربما يُعد من أغنى بلدان المنطقة من حيث تنوع الثروات الطبيعية والبشرية والجغرافية، فالبلاد تمتلك واحداً من أكبر الاحتياطات النفطية في العالم، إلى جانب مخزون كبير من الغاز الطبيعي، خاصة في المناطق الغربية والجنوبية، وهي ثروات يمكن أن تشكل قاعدة مالية ضخمة لتمويل مشاريع التنمية والبنية التحتية والصناعة والطاقة.
غير أن التحول الاقتصادي الحقيقي لا يمكن أن يبقى مرهوناً بالنفط وحده، لأن الاقتصادات الحديثة لم تعد تُبنى على مورد واحد مهما بلغت قيمته، ومن هنا تبرز أهمية تنويع الاقتصاد العراقي عبر استثمار الموقع الجغرافي الاستثنائي للبلاد، إذ يشكل العراق حلقة وصل طبيعية بين الخليج وتركيا وإيران وبلاد الشام، وهو ما يمنحه فرصة ليكون مركزاً إقليمياً للنقل والتجارة والطاقة والخدمات اللوجستية إذا ما تم تطوير شبكات الطرق والسكك الحديدية والموانئ والمنافذ الحدودية بصورة حديثة ومنظمة.
كما يمتلك العراق ثروة مائية تاريخية يمثلها نهرا دجلة والفرات اللذان شكلا أساس قيام الحضارات الأولى في التاريخ الإنساني، ومع ذلك ما تزال كميات كبيرة من المياه تذهب هدراً نحو الخليج من دون استثمار حقيقي يوازي قيمتها الاقتصادية والاستراتيجية.
إن الإدارة الحديثة للمياه يمكن أن تفتح أبواباً واسعة للتنمية عبر إحياء الزراعة العراقية، وتطوير مشاريع الري الحديثة، وإنشاء صناعات غذائية كبرى، وتحقيق مستويات أعلى من الاكتفاء الذاتي، كما يمكن استثمار الأنهار والمسطحات المائية في النقل النهري والسياحة البيئية والمشاريع السكنية والترفيهية، بما يعيد الحياة إلى مدن ومناطق واسعة عانت طويلاً من الإهمال والتصحر.
ولا يقتصر الأمر على النفط والمياه والغاز فقط، فهذا البلد العريق يمتلك ثروة سياحية هائلة ومتنوعة تبدأ من الطبيعة الجبلية الخلابة في شمال البلاد، مروراً بالأهوار العراقية التي تمثل واحدة من أهم البيئات التراثية والطبيعية في العالم، وصولاً إلى السياحة الدينية التي تستقطب ملايين الزائرين سنوياً إلى مدن مثل النجف وكربلاء وسامراء والكاظمية.
كما أن إعادة تنشيط البحيرات والمسطحات المائية التي اضمحلت خلال العقود الماضية يمكن أن تخلق مراكز جذب حيوية جديدة تدعم السياحة والاستثمار، وتحسن البيئة، وتعيد التوازن الطبيعي إلى مناطق واسعة من البلاد.
ورغم كل هذه المقومات، ما يزال العراق بحاجة إلى تطوير البنية التحتية والخدمات بشكل واسع، لأن أي نهضة اقتصادية حقيقية لا يمكن أن تقوم من دون طرق حديثة، ومطارات متطورة، وموانئ فعالة، وشبكات كهرباء مستقرة، ومرافق صحية وتعليمية وخدمية تواكب حجم الطموح المنتظر.
إن العراق يحتاج أيضاً إلى جذب البراندات العالمية في قطاع الفنادق والطيران والسياحة والخدمات، لأن وجود الشركات العالمية لا يمنح الاقتصاد زخماً مالياً فقط، بل يعكس أيضاً صورة الاستقرار والثقة، ويشجع المستثمرين والسياح على دخول السوق العراقية بثقة أكبر.
ولا تقل الثروة الحضارية أهمية عن بقية الموارد، فهذا البلد هو مهد الحضارات الإنسانية، ويحتوي على آلاف المواقع الأثرية التي تعود إلى حضارات سومر وأكد وبابل وآشور والعصور الإسلامية المختلفة، وهذه الثروة لا ينبغي أن تبقى مجرد أطلال صامتة، بل يجب تحويلها إلى قوة ناعمة واقتصادية عبر مشروع وطني تشترك فيه هيئات الآثار والثقافة والسياحة والإعلام والقطاع الخاص.
فكل موقع أثري، وكل حقبة زمنية في تاريخ العراق، يمكن أن تكون بحد ذاتها مصدر جذب هائل للسياح والباحثين والمهتمين بالتاريخ من مختلف بقاع الأرض، لأن العراق يمتلك صفحات البداية الأولى للحضارة البشرية، حيث انطلقت الكتابة الأولى، والقوانين الأولى، والمدن الأولى، والأساطير التي ما زالت البشرية تدرسها حتى اليوم.
ومن هنا تبرز أهمية الإعلام والدراما والسينما في إعادة تقديم العراق للعالم بصورة مختلفة، فالأعمال الدرامية والأفلام السينمائية العالمية قادرة على تحويل حضارات العراق وأساطيره وكنوزه التاريخية إلى عنصر جذب ثقافي وسياحي واقتصادي كبير، إذا ما جرى الاستثمار فيها بصورة احترافية حديثة، وتشجيع شركات الإنتاج السينمائي العالمية على دخول العراق.
غير أن نجاح أي مشروع اقتصادي أو سياحي أو استثماري يبقى مرهوناً قبل كل شيء بديمومة الأمن والأمان وصرامة القوانين، لأن الاستقرار هو البوابة الأولى لكل نهضة، والدول التي نجحت في بناء اقتصادات قوية لم تعتمد على الموارد وحدها، بل على فرض النظام، وحماية الاستثمار، وتطبيق القانون، وبناء الثقة بين الدولة والمواطن والمستثمر.
كما أن النهوض الحقيقي يتطلب تطوير الخدمات وتحسين مستوى جميع المرافق الحيوية من طرق وجسور ومطارات وموانئ وشبكات كهرباء ومياه واتصالات ونقل عام ومرافق صحية وترفيهية، لأن الدولة الحديثة لا تُقاس فقط بحجم ثرواتها، بل بمقدار ما ينعكس ذلك على حياة الناس اليومية ومستوى رفاههم واستقرارهم.
إن دعم أي مشروع سياسي أو حكومي ينبغي أن ينطلق من مصلحة العراق العليا، وليس من منطق الاصطفافات الضيقة، فالعراقيون اليوم يتطلعون إلى دولة قوية مستقرة تستثمر ثرواتها بصورة صحيحة، وتبني مستقبلاً آمناً لأبنائها والأجيال القادمة.
وإذا ما نجحت هذه الحكومة في استثمار الفرصة التاريخية، ووضع خطط اقتصادية وتنموية واقعية قائمة على الإدارة الكفوءة، ومحاربة الفساد، وتطوير البنى التحتية، وجذب الاستثمارات، فقد يدخل العراق مرحلة جديدة يتحول فيها من بلد يستهلك إمكاناته إلى دولة تصنع التنمية وتستعيد مكانتها الطبيعية بين الأمم.


