
الرمزية الشعبية: اختلال التوازن وأداة التخريب
عبارة “مسودَن وبيده فالة” ليست توصيفاً عابراً ولا انفعالاً لغوياً، بل مثلٌ متجذر في عمق التراث الشعبي العراقي، يُطلق على من اختلّ توازنه وفقد القدرة على التقدير، فصار يتصرف بانفعال أعمى. وحين تُقرن الكلمة بـ “الفالة” يكتمل المعنى التحذيري؛ فالفالة عصا شوكية طويلة ذات رأس حديدي متفرع إلى ثلاث رؤوس مدببة، أداة تُستخدم للدفع والاقتحام وتقليب الكتل الثقيلة بلا تمييز، لا للقطع الدقيق ولا للعمل المتزن. وحين يُقال إن شخصاً “مسودَن وبيده فالة” فالمقصود أنه لا يكتفي بسوء التقدير، بل يحمل معه أداة تبعثر ما حوله.
النهج الشعبوي: إدارة الدولة بالعصا الشوكية
هذا المثل يختصر بدقة صورة دونالد ترامب في الحكم؛ رئيس لا يمسك أدوات دولة بقدر ما يلوّح بعصا شوكية، يدفع بها الأزمات، ويقلب بها التوازنات، ويترك خلفه فوضى يصعب جمعها. منذ صعوده إلى السلطة، لم يظهر ترامب كرجل دولة يُحسن إدارة التعقيد، بل كزعيم شعبوي غاضب، يتغذى على الصدام ويستثمر في الانقسام. خطاباته لم تكن زلات عابرة، بل نهجاً قائماً على الاستفزاز والتناقض والتهديد؛ يرفع السقف ثم يكسره، يهاجم ثم يساوم، يسيء للحلفاء قبل الخصوم، ويحوّل السياسة الدولية إلى مسرح انفعالات لا ساحة حسابات.
الملفات الساخنة: سياسة الدفع لا التوازن
حضرت “الفالة” بكل رمزيتها الشعبية في الملفات الدولية؛ فالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني جرى بلا بديل واقعي، فُفتحت أبواب التصعيد بدل الإبقاء على مسارات الاحتواء. وفي فلسطين، اتُخذت قرارات أحادية تجاهلت القانون الدولي وقرارات الشرعية، فعمّقت الصراع بدل السعي إلى تسوية عادلة. أما مع الصين، فقد تحوّل التنافس الاقتصادي إلى حرب تعريفات أربكت الأسواق العالمية وأصابت سلاسل الإمداد بالشلل. حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، سياسة تُدار بالدفع لا بالتوازن، وبالضغط لا بالحكمة.
عقلية المزاد: من “گرينلاند” إلى هوس “نوبل“
من أكثر الأمثلة فجاجة على هذا السلوك، كانت قضية “گرينلاند”، حين طُرحت فكرة شراء الجزيرة من الدنمارك وكأنها عقار معروض في مزاد، لا إقليماً يتمتع بوضع قانوني وسيادي معقد. الحديث عن صفقة قُدّرت بنحو 600 مليار دولار كشف عقلية ترى الجغرافيا سلعة، والشعوب أرقاماً، والسيادة بنداً تفاوضياً. لم يكن هناك نقاش جاد حول القانون الدولي، بل اندفاع بعصا شوكية تُغرس في الأرض وتُسحب بالقوة.
ولا يكتمل المشهد من دون التوقف عند هوسه بجائزة “نوبل للسلام”؛ هذا الزعل السياسي تحوّل إلى سلوك غريب عبر الترويج لما سُمّي بـ “مجلس السلام العالمي” في دافوس، كإطار بديل يمنح الشرعية لمن لا ينالها. وكأن “الفالة” هنا لم تُستخدم لتقليب أرض صراع، بل لتقليب معنى السلام نفسه، وتحويله من قيمة إنسانية عليا إلى وسام شخصي يُطالب به من يرفع العصا لا من يطفئ الحرائق.
تصدع التحالفات وتقويض المؤسسات الداخليه
الأكثر فداحة كان تعامله مع الحلفاء؛ لغة فظة وإهانات علنية وابتزاز مالي. حلف شمال الأطلسي جرى تصويره كعبء، والشركاء التاريخيون وُضعوا في خانة المتهمين، مما زعزع ثقة الأصدقاء وترك شبكة التحالفات مثقلة بالشكوك. داخلياً، اكتملت صورة المثل الشعبي عبر الهجوم على القضاء، التشكيك بالإعلام، والطعن في نزاهة الانتخابات، ما أسهم في تقويض الثقة بالمؤسسات. فدولة تقود النظام الدولي لا يمكن لرئيسها أن يعبث بأسسها ثم يطالب العالم باحترام التزاماتها.
الخاتمة: خطر النموذج وفوضى الغلبة
خطورة ترامب لا تكمن في شخصه وحده، بل في النموذج الذي يروّج له؛ نموذج الحاكم الذي يرى في الفوضى أداة حكم، وفي الضجيج سياسة، وفي “الفالة” بديلاً عن العقل. ترامب سياسي يتصرّف بلا اتزان، وبلا حس تاريخي، وبلا احترام لتعقيد العالم. رجل ينطبق عليه المثل الشعبي بكل قسوته: “مسودَن وبيده فالة”، يدفع بها حيثما شاء، غير مدرك أن بعض الكتل إذا قُلبت بعنف لا تعود إلى مواضعها، وأن بعض الفوضى إذا أُطلقت يصعب احتواؤها.
العالم لا يُدار بعصا شوكية، والسياسة مسؤولية، والحكمة شرط بقاء. أما ترك الحكم بيد من يجمع بين اختلال التقدير وأداة التخريب، فمعناه القبول بمزيد من الأزمات والخسائر التي يدفع ثمنها الجميع.


