سلمان وقومه

سلمان وقومه
آية الاستبدال الإلهي تجسّدها حديث سلمان الفارسي. تقاعست أمم فجاء قوم آخرون. إيران الإسلاميّة تقدّم نموذجاً في نصرة المستضعفين، بينما تعيش أجزاء من العالم الإسلامي حالة عجز تستدعي السؤال: أمن المستبدَلين نحن أم من المستبدَل بهم؟...

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

﴿هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ (محمد: 38)

ليست هذه الآية مجرد خطابٍ عابر، بل هي قانونٌ إلهي حاسم: من يتولَّ عن نصرة الحق يُستبدل، ومن يبخل يخسر نفسه قبل أن يخسر غيره. وقد أجمع مفسرو أهل السنة، من الطبري إلى ابن كثير والقرطبي والزمخشري والسيوطي، أن قوله تعالى: ﴿يستبدل قومًا غيركم﴾ وعيدٌ صريح بأن الله يأتي بأقوامٍ أكثر صدقًا وثباتًا، يحملون ما عجز عنه غيرهم.

ولم يترك النبي ﷺ هذا المعنى دون بيان، بل جسّده بإشارةٍ خالدة حين وضع يده على سلمان الفارسي وقال: “لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء”، وفي رواياتٍ: “هذا وقومه”. وقد روى هذا المعنى البخاري ومسلم والترمذي وأحمد والطبري وغيرهم، مما جعل عددًا من علماء أهل السنة يربطون بين الآية وبين قوم سلمان، أي أهل فارس، باعتبارهم نموذجًا لقومٍ ينهضون بالدين حين يتخلف غيرهم.

وهنا لا بد من وقفة صدق مع النفس: ماذا فعلت الأمة حين نوديت؟

هل أنفقت كما أُمرت؟ هل ثبتت كما طُلب منها؟

أم أنها تولّت، فاستحقت أن يُقال لها: سيُستبدل بكم؟

لقد وصف علي بن أبي طالب حال التخاذل في خطبة الجهاد وصفًا يكاد ينطبق على واقعٍ يتكرر في كل عصر: “يا أشباه الرجال ولا رجال”، كلماتٌ تختصر انهيار الإرادة حين يغلب الخوف، وحين يصبح الهروب أسهل من المواجهة.

وفي مقابل هذا التولي، يبرز مشهدٌ آخر، مختلفٌ في روحه واتجاهه.

مشهد قومٍ يرون في نصرة المستضعفين واجبًا لا خيارًا، وفي الدفاع عن قضايا الأمة التزامًا لا شعارًا. وقد برز في هذا السياق نهجٌ سياسي وفكري ارتبط بقيادة روح الله الخميني، واستمر مع الإمام علي خامنئي، حيث طُرحت قضية فلسطين باعتبارها قضية مركزية لا تقبل المساومة.

هذا الطرح، سواء اتفق معه البعض أو اختلف، يقدّم نموذجًا لقراءة الآية في بعدها العملي: أن يكون هناك من يرى في الدفاع عن المظلومين واجبًا مستمرًا، وأن يجعل من هذه القضية محورًا ثابتًا في خطابه وسياسته.

وفي المقابل، تعيش أجزاء واسعة من العالم الإسلامي حالةً مختلفة، تتراوح بين العجز السياسي، والانشغال بالصراعات الداخلية، والسعي إلى تجنب المواجهة بأي ثمن. وهذا التباين بين المواقف يعيد إلى الأذهان معنى الآية: أن الساحة لا تبقى فارغة، وأن من يتراجع يفسح المجال لغيره ليتقدم.

إن القضية، في جوهرها، ليست حكرًا على شعبٍ أو دولة، ولا يمكن اختزالها في قوميةٍ أو جغرافيا. فالدين الذي حمله سلمان الفارسي من أرض فارس إلى قلب الإسلام، هو نفسه الذي جعل التفاضل قائمًا على العمل لا النسب، وعلى الموقف لا الهوية.

وهكذا تبقى الآية مفتوحةً على كل زمان ومكان . إما أمةٌ تنهض فتكون من أهل التكليف،

وإما أمةٌ تتراجع فيجري عليها قانون الاستبدال.

وفي ضوء ذلك، يصبح السؤال الحقيقي ليس: من هو القوم؟

بل: هل نحن منهم… أم ممن استُبدل بهم؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *