مع تصاعد الحرب بين أمريكا وإيران، لم يعد الصراع مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحول إلى عقدة استراتيجية تختصر التنافس على شريان الطاقة العالمي والنفوذ الدولي. فمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو ثلث تجارة النفط المنقولة بحراً، أصبح ساحة مواجهة مفتوحة بين واشنطن وحلفائها من جهة، وطهران من جهة أخرى. وبعد استهداف جزيرة خرج، القلب النفطي لإيران، ارتفع سقف التهديدات بإغلاق المضيق عبر مراحل متدرجة تبدأ بما تسميه طهران “الإغلاق الذكي”، وقد تنتهي إذا استمر التصعيد بمحاولة إغلاق عسكري كامل لأهم ممر نفطي في العالم.
هذا التحول يعكس انتقال الحرب من الضغط العسكري المباشر إلى استهداف العصب الاقتصادي للطرف الآخر. وفي هذا السياق يبرز الحديث عن إرسال وحدات استكشافية من مشاة البحرية الأمريكية (المارينز) بالتزامن مع تحرك القاذفات الاستراتيجية B-2، في إشارة إلى احتمال الانتقال نحو عمليات بحرية محدودة لتأمين الملاحة. غير أن هذا التحرك يعكس أيضاً مأزقاً استراتيجياً يواجهه الرئيس الأمريكي بين خيار الانسحاب الذي يضر بالهيبة الأمريكية، أو الانخراط في حرب طويلة مع إيران.
أولاً: مأزق القرار الأمريكي
تواجه الإدارة الأمريكية معضلة كلاسيكية في إدارة الحروب الكبرى: الحرب أسهل في إشعالها من إطفائها. فبعد الضربات الواسعة التي استهدفت البنية العسكرية الإيرانية، باتت واشنطن أمام ثلاثة حقائق صعبة:
- الانسحاب الكامل سيُفسر كفشل استراتيجي، ويمنح إيران نصراً سياسياً ومعنوياً.
- التصعيد الشامل قد يفتح حرباً إقليمية طويلة في الخليج.
- العمليات المحدودة قد تتحول تدريجياً إلى تورط أعمق دون تحقيق حسم.
ومن هنا يمكن فهم فكرة الإنزال البرمائي المحدود على جزر المضيق بوصفها محاولة لخلق إنجاز رمزي سريع دون الانزلاق إلى حرب برية واسعة.
ثانياً: طبيعة القوة التي قد تُستخدم
الوحدة التي يجري الحديث عنها ليست قوة تقليدية، بل وحدة استكشافية من (المارينز )يتراوح قوامها بين 2000 و2500 جندي، وتتمركز عادة على سفن برمائية قادرة على تنفيذ عمليات إنزال سريع. هذه القوة تمتلك عدة أدوات رئيسية:
- مقاتلات F-35B القادرة على الإقلاع العمودي من السفن البرمائية.
- طائرات V-22 Osprey القادرة على نقل القوات بسرعة كبيرة بين البحر والبر.
- مروحيات هجومية وطائرات بدون طيار للاستطلاع.
- مدرعات خفيفة ووحدات هندسية لتأمين الشواطئ والمرافئ.
حتى لو نجحت الولايات المتحدة في إنزال قواتها والسيطرة على جزيرة ما، يبقى السؤال الأهم:
كيف ستحتفظ بها؟ فالسيطرة العسكرية المؤقتة لا تعني القدرة على الدفاع المستمر. الجزر الصغيرة يمكن حصارها بسهولة عبر القصف الصاروخي، والمسيّرات، والزوارق السريعة. وهذا قد يحول القوات الأمريكية إلى قوة محاصرة داخل جزيرة معادية.
ثالثاً: السيناريوهات المحتملة لعملية الإنزال
1- سيناريو السيطرة على الجزر المفتاحية: هو الإنزال على إحدى الجزر المسيطرة على المضيق مثل قشم أو هرمز أو الجزر المتنازع عليها، الهدف هنا: نشر رادارات وأنظمة دفاع جوي. وتدمير منصات الصواريخ الساحلية. وتحويل الجزيرة إلى قاعدة مراقبة للملاحة. ميزة هذا السيناريو أنه لا يتطلب دخول الأراضي الإيرانية الرئيسية لكنه يحقق سيطرة نارية على المضيق.
2- سيناريو ضرب منصات الصواريخ الساحلية: في هذا السيناريو تستخدم قوات المارينز عمليات إنزال محدودة وسريعة على الساحل الإيراني نفسه لتدمير منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة. العملية قد تستمر ساعات أو أيام فقط وتشمل: إنزال القوات الخاصة، وتدمير البطاريات الصاروخية، والانسحاب السريع بعد المهمة. لكن هذا السيناريو يحمل خطراً أكبر لأنه يعني دخول الأراضي الإيرانية مباشرة.
3- سيناريو حماية الملاحة فقط: هنا لا يتم إنزال واسع على اليابسة، بل تقتصر المهمة على مرافقة ناقلات النفط، وإزالة الألغام البحرية، وإسقاط المسيّرات والصواريخ.
وقد تُستخدم قوات المارينز فقط لحماية السفن أو لإجراء عمليات خاصة ضد مواقع محددة.
هذا السيناريو هو الأقل تصعيداً لكنه يتطلب تفوقاً جوياً وبحرياً كاملاً.
4- سيناريو السيطرة على جزيرة خرج: هذا السيناريو الأكثر حساسية سياسياً، لكون جزيرة خرج تمثل مركز تصدير النفط الإيراني، والسيطرة عليها تعني خنق الاقتصاد الإيراني.
لكن تنفيذ عملية كهذه يعني عملياً يعد انتحاراً عسكرياً، لأنه موقع اقتصادي استراتيجي. لذلك يعتبر أبعد السيناريوهات احتمالاً إلا إذا تطورت الحرب بشكل كبير.
رابعاً: المخاطر العسكرية للعملية
رغم التفوق العسكري الأمريكي، فإن مسرح العمليات في مضيق هرمز يمثل بيئة قتالية معقدة للغاية.
1- الجغرافيا الضيقة: عرض المضيق في بعض مناطقه أقل من 40 كيلومتراً، ما يجعله ميداناً مثالياً للصواريخ الساحلية.
2- الألغام البحرية: إيران تمتلك ترسانة كبيرة من الألغام التي يمكن زرعها بسهولة في المياه الضحلة.
3- ال مسيّرات الانتحارية: الدرونات الإيرانية قادرة على ضرب السفن والقواعد الصغيرة بكلفة منخفضة.
4- قرب الساحل الإيراني: أي قوة أمريكية تنزل على الجزر ستكون ضمن مدى الصواريخ الإيرانية قصيرة المدى.
خامساً: الهدف الحقيقي من إرسال المارينز
الرسالة الاستراتيجية لا تتعلق فقط بالقتال، بل أيضاً بالردع. إرسال هذه القوة يعني ثلاث رسائل واضحة:
- طمأنة الأسواق العالمية للطاقة بأن المضيق لن يبقى مغلقاً.
- الضغط على إيران عسكرياً لإجبارها على التراجع.
- منع تحول الأزمة إلى حصار اقتصادي عالمي.
فالعملية قد تحقق: صورة إعلامية للنصر، وتهدئة الأسواق مؤقتاً، لكنها قد لا تغير الواقع العسكري على الأرض. المفارقة أن هذه العمليات قد تمنح واشنطن إنجازاً تكتيكياً قصير الأمد، ولكن كيف يمكن إنهاء الحرب دون خسارة الهيبة الامريكية أو الانزلاق إلى صراع طويل؟
ففي الشرق الأوسط، كثيراً ما تبدأ الحروب بضربة خاطفة… لكن نهايتها غالباً ما تكون أكثر تعقيداً من بدايتها
سادساً: الحرس الثوري واستراتيجية الرد
في المقابل، يبدو أن إيران اختارت الرد عبر استراتيجية الاستنزاف الصاروخي.
فالهجمات المكثفة على إسرائيل تحقق عدة أهداف: إبقاء الجبهة الإسرائيلية مشتعلة، واستنزاف منظومات الدفاع الجوي مثل القبة الحديدية وحيتس، ورفع الكلفة الاقتصادية للحرب. حتى لو تم اعتراض معظم الصواريخ، فإن مجرد إطلاقها بكثافة يفرض على إسرائيل استخدام صواريخ اعتراضية مكلفة للغاية. وهذا يعكس فلسفة عسكرية واضحة لدى إيران تقوم على الحرب غير المتكافئة.
رغم كل التصعيد، فإن السؤال الاستراتيجي الأكبر يبقى: هل يمكن حسم حرب كهذه بضربة واحدة؟ التجارب التاريخية تشير إلى أن ذلك نادر الحدوث، خاصة في صراع مع دولة كبيرة مثل إيران التي تمتلك مساحة جغرافية واسعة، وشبكة قواعد صاروخية موزعة، وحلفاء إقليميين، وقدرة على إغلاق مضيق هرمز. ولهذا قد يكون ما يجري حالياً تصعيداً تفاوضياً أكثر منه حرب حسم نهائي.


