اليوم يكتب فصل جديد من ذات الكتاب، كتاب التضحية والمواجهة، صفحات تكتب بعرق الصابرين، وبدماء الذين اختاروا الطريق الصعب، فيامن راهنتم أن المواجهة لن تكون إلا قصيرة، وانها انتهت بشهادة شيبتنا الكريمة، لكن الأيام كشفت أن الثمن كبير وأن الطريق مليء بالاختبارات، ففجعتنا بشهادة ولينا لم تكن نهاية القصة، بل اصبحت دافعا جديدا للاستمرار، فقمر افل وبدر ظهر، ذرية بعضها من بعض، فيا من ظننتم أن الجرح قد يبري، وأن الفقد قد يثني، ها هي الأيام تعيد رسم لوحتها، رحل القمر، لكنه لم يخلف وراءه ظلمة. بل ترك بدراً اكتمل في ليلة فقده، كأن السماء لا ترضى لهذه الدار أن تغيب عنها الأنوار، مشى الابن في الدرب نفسه، بنفس الخطى، وبنفس اليقين، وكأن الأب لم يغب، بل تسرب إلى روح ابنه ليخبره أن الطريق لا زال ممتداً. اما عجوزهم فقد وجد نفسه أمام عذاب طويل من الخوف والاضطراب، حائر امام عقاب صواريخ شهاب وعماد، وقدر، وخيبر شكن، وفتاح، والمسيرة شاهد، ولأن الظلم مهما بدا قويا يحمل في داخله بذور سقوطه. فحين ينزل مطر النار على مواقع المعتدين، وتتحول الأرض إلى ساحة مواجهة، يدرك المتكبر أن الحساب قد بدأ وأن الأيام التي ظنها آمنة لم تعد كذلك. وهكذا يتجدد النداء الذي تردده الألسن وتؤمن به القلوب، أن مواجهة الظلم ليست مجرد خيار بل مسؤولية، وأن الحق إذا دافع عنه أهله بإيمان وثبات تحول الضعف الى قوة، والخوف الى شجاعة، والفرقة الى وحدة. وعندها يصبح التاريخ شاهدا على أن من ثبت على مبدئه، مهما اشتدت عليه الأيام، قد كتب اسمه في سجل الذين لم تنكسر إرادتهم. فيا أيها الممد على الارض بهدوء غريب، الذي اختلط تراب الميدان بدمائك الطاهرة، وثيابك الممزقة، وملامحك الساكنة التي كأنها تحكي قصة صبر طويل انتهت بلحظة صمت مهيب. فارتقاءك مع اجدادك لم يكن مشهدا للموت بقدر ما كان شاهدا على عظيم التضحية، فقد سقط الجسد، لكن المعنى الذي حمله ظل قائما لا يسقط، ففي الشهادة كانت الحياة، لأن التضحية عندنا ليست خسارة بل اختيار واع لطريق الكرامة، فمن قاوم وقاتل في الحرب الضروس لم يفعل ذلك حبا في الحرب نفسها، بل دفاعا عن حق يراه أعظم من حياته، لذلك يبقى خالدا كل من وقف في وجه الظلم، وثبت حين تراجع الآخرون، وقاتل حين ظن الناس أن الجهاد صار مستحيلا، فالتاريخ لا يخلد المتفرجين، بل يخلد أولئك الذين وقفوا في اللحظة الصعبة وقالوا كلمتهم، فاليوم أوضح من الامس ومنارا للغد وشاهدا على ما سيترك في صفحات الخلود من تضحيات تذكر مثالا للأجيال القادمة، فالشهادة بداية الطريق للحياة الأدبية الخالدة، لذلك قالوا إن الموت في سبيل القضية عرس للشهداء، لأن من ضحى بروحه من أجل مبدأ، عاش خالدا في الذاكرة والضمير. اما عجوزكم فسيذكر التاريخ انهزامه، وسيصف تاريخه الاجرامي بقتل الأطفال واغتصاب الفتيات، وتبقى جزيرة ابستين شاهدة على خزي افعالكم واخلاقكم، بينما سيكتب التاريخ ان شيخنا كان سليل النبوة ومعدن الرسالة، شيخ المجاهدين ومثال للتضحية دفاعا عن المقدسات الإسلامية.

3 Responses
سلمت يداكولا فض فاك وبارك الله فيكم وجزاكم الله خيرا دكتورنا الحبيب
سلمت يداك ولا فض فاك وبارك الله فيكم وجزاكم الله خيرا دكتورنا الحبيب
هكذا هم أحفاد الرسول وابناء فحل الفحول وأولاد البتول أنهم بنو هاشم، الشيبة والعمامة، التضحية والشهامة.
نص رائع من دكتور رائع وحكيم..