لم تكن كربلاء مجرد واقعة في زمن مضى، بل أصبحت مدرسة عشق وتضحية، تعلم منها الناس أن الموقف الحق قد يكون مكلفا، لكنه الطريق الوحيد الذي يحفظ الكرامة. من هناك فهم الكثيرون دروس الصبر والثبات، وأن قلة العدد لا تعني ضعف القضية، {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ}. ومن تلك الدروس بقيت الفكرة الخالدة بأن الإنسان قد يهزم جسدا، لكنه سينتصر إذا ثبت على مبدئه. إننا اليوم نرتقي بين الأمم بجناحين، جناح الماضي استلهاما لثأر كربلاء، وجناح المستقبل تطلعا للعيش تحت لواء الإمام المهدي عليه السلام. نطير في مسيرتنا المعنوية بجناحين لا ينفصل أحدهما عن الآخر، جناح الذاكرة وجناح الأمل. فالأمم التي تفقد ذاكرتها تضيع، والأمم التي تفقد الأمل تتوقف عن الحركة. وبين هذين الجناحين تبقى الروح حية، قادرة على الاستمرار مهما تعاقبت المحن وتبدلت الأزمنة. لذلك كان للإنسان المؤمن دائما مصدران للقوة، الماضي الذي يمنحه المعنى، والمستقبل الذي يمنحه الدافع.
حين يذكر الماضي في وجدان المؤمنين، تقف كربلاء شامخة كواحدة من أعظم المدارس الأخلاقية في التاريخ الإسلامي. لم تكن كربلاء مجرد واقعة عسكرية أو صراع سياسي عابر، بل كانت موقفا أخلاقيا عميقا تجلى فيه معنى الثبات على المبدأ مهما كان الثمن. ففي تلك الأرض الصغيرة وقف الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه، وبالرغم من قلة العدد، لكنهم كانوا عظماء في الموقف، لأنهم اختاروا طريق الحق رغم علمهم بما ينتظرهم من تضحيات، ومن هنا استلهم الشيعة ان قلتهم لا يعني ضعف الموقف تجاه القضية المصيرية لامتنا الإسلامية. إن رمزية كربلاء لا تكمن في تفاصيل المعركة بقدر ما تكمن في الرسالة التي خرجت منها، فقد علمت الأجيال أن الإنسان قد يخسر حياته لكنه لا ينبغي أن يخسر ضميره، وأن الوقوف بوجه الظلم ليس خيارا ثانويا بل مسؤولية أخلاقية. ولهذا بقيت كربلاء حية في الوعي الجمعي الشيعي، تذكر كلما احتاج الناس إلى مثال للصبر والثبات والوفاء للمبدأ، ومن هنا يمكن فهم الجناح الأول الذي تطير به هذه الرؤية، فالماضي هنا ليس حنينا عاطفيا فحسب، بل هو مصدر إلهام دائم. إنه يذكر الإنسان بأن طريق العدالة لم يكن يوما سهلا، وأن الذين حملوا القيم العظيمة عبر التاريخ واجهوا المحن والابتلاءات. ومع ذلك بقيت مواقفهم منارات يهتدي بها من يأتي بعدهم. إن استحضار كربلاء بهذا المعنى يرسخ في النفس قيمة الصبر، ويعلمها أن الكرامة الإنسانية أثمن من كل المكاسب المؤقتة.
أما الجناح الثاني فهو جناح المستقبل، وهو الأمل الذي يمنح المسيرة معناها المتجدد، فالإيمان بأن العدل الإلهي سيظهر في النهاية يمنح الإنسان قدرة على الاستمرار وعدم اليأس. وفي الفكر الإسلامي الشيعي يمثل الإيمان بظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف رمزا لهذا الأمل الكبير، ان أمل قيام زمن ترفع فيه راية العدل وتعاد فيه القيم إلى موضعها الصحيح، ان هذا الأمل ليس مجرد انتظار سلبي، بل هو دعوة دائمة لإصلاح النفس والمجتمع. فالمستقبل العادل لا يبنى بالأماني وحدها، بل يحتاج إلى إنسان يتهيأ له بالعمل الصالح والالتزام بالقيم التي جسدتها كربلاء، والتي تمثلت بالصدق، والعدل، والشجاعة الأخلاقية، والرحمة بالناس، وعندما يجتمع جناحا الماضي والمستقبل تتكون رؤية متوازنة للحياة. فالماضي يمنح الإنسان الجذور التي يستمد منها هويته، والمستقبل يمنحه الأفق الذي يتجه نحوه، وبين الجذور والأفق تتحرك الإرادة الإنسانية لتصنع معنى وجودها. وهكذا تبقى كربلاء مدرسة مفتوحة عبر الزمن، تعلم الإنسان أن الثبات على الحق هو أساس الكرامة، وأن الصبر في مواجهة الظلم ليس ضعفا بل قوة أخلاقية عميقة، ومن يستلهم هذه الدروس يدرك أن الطريق إلى العدالة قد يكون طويلا، لكنه طريق لا يضيع فيه السائرون ما داموا متمسكين بالقيم التي تجعل الإنسان إنسانا، لذلك نحن اليوم في الجمهورية الإسلامية وفي جميع البقاع التي أصبحت ارض نذر ابناءها لحب محمد وال محمد رفعنا شعار الا انكسار ولا هزيمة، نحن قوم إذا ناداهم الحق لبوا، وإذا اشتد الخطب ثبتوا ولم يتراجعوا، نقاتل بالإيمان قبل السلاح، وبالعقيدة قبل العدة، وبالعزيمة التي لا تنكسر مهما تعاظمت الشدائد، فالقوة الحقيقية ليست في كثرة العدد ولا في صلابة الحديد، بل في القلب الذي امتلأ يقينا بأن للحق ساعة لا تتأخر، وأن للباطل يوما ينكسر فيه مهما طال زمانه. لذلك يقفون في الميدان بثبات، لا تغرهم الدنيا ولا ترهبهم التضحيات. بهذين الجناحين تواصل الروح الإنسانية تحليقها، حاملة معها رسالة الصبر والثبات، ومؤمنة بأن للعدل يوما يشرق فيه نوره مهما طال انتظار الفجر.
