تأملات في مفهوم “القابلية للاستعمار” لمالك بن نبي وانطباقه على الدول العربية

تأملات في مفهوم القابلية للاستعمار لمالك بن نبي وانطباقه على الدول العربية
يرى مالك بن نبي أن الاستعمار لا يقوم فقط على قوة الخارج، بل على «القابلية للاستعمار» داخل المجتمع الناتجة عن انهيار القيم وتفكك الروابط والجمود الحضاري، ما يتيح أيضاً نشوء استعمار داخلي ويجعل التحرر مرهوناً بإصلاح الذات وبناء مشروع حضاري...

في زمن الأزمات وتراكم الإخفاقات، يأتي المفكر الجزائري مالك بن نبي (1905-1973) ليأخذ مفهوم الاستعمار لمديات أبعد، طارحاً مفهوم “القابلية للاستعمار” ليشعل من خلاله جدل فكري في حقيقة إخفاء الدور السلبي للمستعمِر الذي ظل لسنوات يؤدي دور الضحية. ما طرحه بن نبي ان «القابلية للاستعمار» ليس مجرد مصطلح أكاديمي جامد، بل هو تحوّل فكري هزّ الأطر التفسيرية التقليدية التي اعتادت إلقاء المسؤولية الكاملة على المستعمِر الأجنبي، وأحالت الشعوب المستعمَرة إلى ضحايا سلبيين لا ناقة لهم ولا جمل في صنع واقعهم المر.

يُعرّف بن نبي القابلية للاستعمار بوصفها جملةً من الخصائص الداخلية التي تجعل مجتمعاً ما عرضةً للهيمنة الأجنبية، بصرف النظر عن قوة هذا الأجنبي أو ضعفه. وهو بذلك لا ينفي دور المستعمِر، لكنه يرفض حصر التفسير فيه. فالمستعمِر لا يخلق القابلية من العدم، بل يجد أرضاً معدّة له، وبيئةً مهيأة لاستقباله.

 وتتركب القابلية للاستعمار في رؤية بن نبي من عدة عوامل متشابكة ومتعاضدة، يمكن إجمالها فيما يلي:

  1. انهيار المنظومة القيمية: حين يفقد المجتمع قيمه المحورية التي كانت تحرك إرادة أفراده وتوجّه سلوكهم نحو البناء والعطاء، تحل محلها قيم سلبية كالكسل والتواكل والتسطح الفكري. وهنا تبدأ القابلية تتشكل في نسيج المجتمع شيئاً فشيئاً.
  2. تفكك الرابطة الاجتماعية: الإنسان المعزول عن محيطه الاجتماعي، الانسان الذي يفتقر إلى الشعور بالانتماء والمسؤولية الجماعية، هو إنسان «قابل للاستعمار» بامتياز. والمجتمع الذي تتآكل فيه روابط التضامن والتعاون هو مجتمع يسير حثيثاً نحو التفكك ثم الخضوع.
  3. الجمود الفكري والحضاري: يتجلى هذا في الانفصال عن الزمن؛ أي العيش في تكرار الماضي دون إبداع أو إضافة، وفي قصور التعامل مع المشكلات الكبرى بأدوات عقلية مناسبة. المجتمع الذي يتوقف إبداعه ويكتفي بالاجترار يصبح عرضة لمن يملك فائض الطاقة الحضارية.
  4. ظاهرة “الانسان الكلسي”: يصف بن نبي بهذا المصطلح الإنسان الذي فقد مرونته وقدرته على التكيف والتغيير، فأصبح عاجزاً عن التفاعل الإيجابي مع متطلبات عصره، منكفئاً على ذاته، منسحباً من ميدان الفعل الحضاري.

العلاقة الجدلية بين المستعمِر والمستعمَر

الجانب الأشد إثارةً وجدلاً في مفهوم بن نبي هو رفضه الصريح للنظرة الأحادية التي تُصوّر المستعمَر ضحيةً بريئة لا حول لها ولا قوة. ويؤكد بن نبي أن عملية الاستعمار تشبه «اللقاء» بين طرفين: مستعمِر يحمل مشروعه وإرادته وأدواته من جهة، ومستعمَر يحمل ضعفه وقابليته وانكساره من جهة أخرى. ومن الأفكار التي طورها بن نبي في هذا السياق فكرة «الاستعمار الداخلي»، أي قدرة النخب المحلية على استعمار شعوبها بالطريقة ذاتها التي استعمرها بها الأجنبي. فإذا كانت القابلية متوفرة في المجتمع، فإن أي قوة – محلية كانت أم أجنبية – يمكنها استثمار هذه القابلية لتحقيق مصالحها.

وهنا يتجلى البُعد الأعمق للمفهوم: القابلية للاستعمار ليست مجرد ظاهرة تعلق بالعلاقة مع الآخر الأجنبي، بل هي حالة داخلية يصيب بها المجتمع نفسه، ويمارسها بعضه على بعض. والتحرر الحقيقي من هذه القابلية يستلزم ثورة على الذات قبل الثورة على الخارج.

ويصف كثير من علماء السياسة في العالم العربي ظاهرة «المواطن السلبي»، أي ذلك الفرد الذي يتعامل مع الشأن العام بمنطق المتفرج لا المشارك. ويجد هذا التوصيف صدى عميقاً في مفهوم بن نبي، إذ إن الإنسان الذي فقد إرادته وفاعليته وشعور المسؤولية تجاه مجتمعه هو إنسان قابل للاستعمار من أي جهة أتى. وهذه السلبية السياسية ليست طبعاً أصيلاً في العرب ولا في المسلمين، بل هي نتاج تاريخي لمنظومات سياسية طالما أقصت المواطن عن المشاركة الحقيقية، وعالجت الفاعلية المدنية بالشك والقمع. وحين يُقنع الإنسان جيلاً بعد جيل بأنه لا دور له في صنع قراره، فإنه في نهاية المطاف يصدّق ذلك ويتمثله سلوكاً.

ويعيش المجتمع العربي اليوم في حالة من التجاذب بين تيارات ثلاثة: التيار السلفي الذي يريد استحضار الماضي بكل تفاصيله، والتيار التغريبي الذي يريد استيراد النموذج الغربي بكل ملامحه، والتيار الوسطي الذي يحاول التوفيق دون أن يعرف دائماً كيف. وهذا الصراع بعينه هو ما يُسميه بن نبي «الصراع بين الزمن الماضي والزمن المستقبل»، وهو في نظره أحد أشد أعراض القابلية عمقاً وخطورة. فالمجتمع الذي لا يملك مشروعاً حضارياً واضحاً ومتماسكاً، يصبح ملعباً لمشاريع الآخرين.

الدرس الأعمق الذي يخرج به قارئ بن نبي المتأمل هو أن الحرية الحقيقية ليست منحةً تُوهب من الخارج، ولا غنيمةً تُنتزع من عدوّ. الحرية الحقيقية عملية داخلية مضنية، تبدأ بالسؤال الصادق، وتمر بالنقد الشجاع، وتنتهي بالفعل المسؤول والبناء الصبور. نرى اليوم دولاً رهنت نفسها لقوى الشر والطغيان بمحض ارادتها وأخرى اعتمدت على مقومات بلدها من موارد بشرية تمثلت بتعزيز الهوية الوطنية وامكانيات متمثلة بتوظيف الموارد وبالتالي قدمت ولا زالت تٌفدّم أنموذجاً رائعًا في عدم الخضوع للآخر مهما كانت قوته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *