يشكل تأسيس الحشد الشعبي، استجابةً للتهديد الوجودي الذي مثله تنظيم داعش الإرهابي، ظاهرة فريدة في تاريخ الصراعات الحديثة؛ إذ لم تكن المعركة مجرد صراع تقليدي على الجغرافيا، بل كانت مواجهة أنطولوجية (وجودية) بين “إرادة المعنى” و”عدمية التوحش” التي سعت لمحو التاريخ والذاكرة. لذا، لم يكن الأمر مجرد تحرك عسكري ميكانيكي، بل كان عملية عميقة لها أبعاد فلسفية وأخلاقية حاسمة، بدأت بفتوى دينية مثلت لحظة “استثناء تاريخي” استعادت فيها السلطة الروحية المبادرة لإنقاذ الجسد السياسي، وتحولت لاحقاً إلى جدل حيوي حول الهوية الوطنية في مرحلة ما بعد التحرير، حيث تداخل “المقدس” بـ “الوطني” لإعادة تعريف الانتماء من خانة “الحقوق” إلى خانة “الفداء”. إن النقطة المحورية التي انطلق منها هذا الدور هي فتوى الجهاد الكفائي التي أصدرتها المرجعية الدينية العليا. هذا المفهوم الفقهي لا يقف عند حدود التكليف الشرعي الظاهر، بل يحمل في طياته دلالات فلسفية عميقة حول الواجب الأخلاقي؛ فهو ينقل الفرد من “أنانية البقاء” إلى “مسؤولية الفناء” من أجل الآخر. ففي “الكفائي”، يتحمل المتطوع عبء الأمة بأسرها، ممارساً فعلاً من أقصى درجات الإيثار الوجودي، حيث يصبح الموت الفردي شرطاً لازماً لاستمرار الحياة الجماعية، مما يمنح هذا التأسيس شرعية تتجاوز القوانين الوضعية لتلامس جوهر الضمير الإنساني. وللجهاد الكفائي أثر فلسفي عميق يوازي، بل وقد يفوق في تعقيده، أثر الجهاد العيني. يتجلى الأثر الفلسفي للجهاد الكفائي في كونه يُشكّل إطاراً عقلانياً يفسح المجال أمام “التضحية المنتقاة” والتركيز على مبدأ “النوعية لا الكمية” (الكفاءة والقيادة). فمن الناحية النظرية، (يسقط الواجب عن جميع المكلفين متى قام به عدد كافٍ منهم)، وهذا المبدأ يؤسس لما يمكن تسميته بـ “تقسيم العمل الاجتماعي في لحظة الخطر”؛ فهو يحمي المجتمع من الانزلاق نحو “العسكرة الشاملة” التي قد تشل مفاصل الحياة المدنية، مما يسمح بتشكيل قوة ضاربة منظمة بسرعة، بدلاً من إجبار كل فرد على حمل السلاح بشكل عشوائي، وهو ما كان سيؤدي إلى “فوضى الغوغاء” بدلاً من “انضباط الجيش”.
وقد وفّر عدم اعتبار مواجهة داعش “جهاداً عينياً” المبرر القانوني والعملي لتأسيس كيان مؤسسي (الحشد) يتولى إدارة الواجب الكفائي بذهنية الدولة لا بذهنية الفزعة القبلية. إلا أن الأثر الفلسفي الأعمق والأكثر جدلية يظهر في الديناميكية الداخلية لتعامل بعض الفصائل والنخب المقاتلة مع هذا الإطار التنظيمي؛ إذ لم تكتفِ بالحد الأدنى من التكليف الفقهي (سقوط الواجب بقيام الغير)، بل تعاطت مع الحرب بمنطق “الالتزام الوجودي”. هنا حدث تحول جوهري في مفهوم “النيابة”؛ فبينما يسمح الفقه بأن ينوب البعض عن الكل، رأت هذه الفصائل فكرة “النيابة في المصير”، بأنها يجب أن تتحوّل للدفاع عن الهوية والرموز المقدسة لديها إلى دفاع مصيري يمس جوهر “الكينونة”، مما جعل انخراطها في القتال قضية بقاء لا تحتمل الإنابة. لقد أصبح القتال لديهم فعلاً من أفعال “تحقيق الذات”، حيث يشعر المقاتل أن هويته ستتلاشى إذا أوكل مهمة الدفاع عنها لغيره، حتى وإن أجاز له الشرع ذلك.
وفيما يتعلّق بالمبرر الأخلاقي في مواجهة فكر التكفير، فإننا نكون أمام ما يمكن تسميته بـ “التناقض الأخلاقي الجذري”؛ حيث نجد أن الإطار الفلسفي للحشد ومرجعيته وضعا تبريراً أخلاقياً مضاداً لفكر داعش. فبينما يتبنى داعش فلسفة “الإقصاء الأنطولوجي” (الوجودي) التي ترى الآخرين “كفاراً”، مما يجردهم من صفتهم الإنسانية ويحولهم إلى “موضوعات” قابلة للإفناء، ويحلل دماءهم، مانحاً مقاتليه دافعاً لارتكاب الفظائع دون أي وخز للضمير (حيث يصبح القتل طقساً تقربياً)، وقف مقاتلو الحشد على النقيض تماماً. على النقيض من ذلك، رأى مقاتلو الحشد أنفسهم مدافعين عن “كليات الوجود الإنساني” (حرمة الدم، العرض، والأرض)، وحراساً لمجتمع متنوع يتعرض لمحاولة إبادة جماعية ومحو ثقافي. فلسفة الحشد هنا لم تستند إلى “كراهية الآخر” بل إلى “حب البقاء” و”واجب الرعاية” تجاه المكونات الأضعف (كالإيزيديين والمسيحيين والشبك)، مما حول البندقية من أداة للقتل إلى أداة لإنقاذ الحياة. هذا التناقض الجذري في الأسس الفلسفية للقتال، بين “لاهوت الموت” الداعشي و”فقه الحياة” لدى المرجعية والحشد، هو ما جعل المواجهة وجودية بامتياز وليست مجرد صراع جيوسياسي على الأرض؛ فالمعركة لم تكن لرسم حدود جغرافية، بل لترسيم الحدود الفاصلة بين التوحش والإنسانية، وبين من يرى العالم “فسطاطين” يجب إفناء أحدهما، وبين من يراه “وطناً” يسع الجميع.


