أيديولوجيا المكان لدى الفرد العراقي

أيديولوجيا المكان لدى الفرد العراقي
يكشف النص تعقيد علاقة العراقي بالمكان بوصفه فضاءً محمّلاً بالذاكرة والرموز والسلطة، مستندًا إلى نظريات تُوان ولوفيفر وفوكو وسوجا وبورديو، ليؤكد أنّ المكان العراقي ينتج الهوية ويعيد تشكيل الانتماء عبر تداخل التجربة والذاكرة والتاريخ...

يشكّل المكان في الوعي العراقي بنية معقّدة تتجاوز دلالته الجغرافية المباشرة، ليغدو فضاءً مشحونًا بالرموز والانفعالات والتمثيلات الاجتماعية. ويحتفظ الفرد العراقي بارتباط وثيق بالمكان لأن هذا الأخير يعمل بوصفه أرشيفًا وجوديًا لتجاربه المتراكمة. فالبيت، مثلًا، يمثّل موضع الأمان الأول، لكنه قد يحتضن في ذاكرته لحظات فقدٍ أو خوف، بينما يظلّ الشارع الذي كان يومًا ساحة للّعب والبراءة مرتبطًا أيضًا بمشاهد تهديد أو عنف. وبهذا يترسّخ في الوعي ما يسمّيه علم النفس بـ “الترميز الانفعالي المزدوج”، حيث يحتضن المكان الواحد انفعالات متناقضة (حب/رهبة، ألفة/حذر)، الأمر الذي يجعل العلاقة بالمكان علاقة متوتّرة وغير مستقرة نفسيًا. وتجد هذه العلاقة تفسيرًا نظريًا في أعمال يي_فو تُوان (1974، 1977)  الذي يُفرّق بين التعلّق بالمكان (Topophilia)  والنفور منه(Topophobia). فالتجربة العراقية المعاصرة تجمع بين هذين البعدين بوضوح: تعلّق وجداني بالمكان بوصفه جزءًا من الذات، ونفور منه بسبب الذاكرة العنيفة التي ما انفكّت ترافق حياة الأفراد. وينعكس ذلك في العلاقة المُلتبسة التي يُقيمها العراقي مع الحي الذي يعيش فيه.

وعلى المستوى السوسيولوجي، تتجاوز العلاقة بالمكان حدود الإدراك الفردي إلى كونها أحد أهم مؤشرات الهوية الجمعية. فالانتماء للمدينة أو القبيلة أو المنطقة يتّخذ طابعًا هوياتيًا يتجسّد في الرموز المكانية (الجسر، النهر، الساحة)، وفي اللهجة والعادات، وصولًا إلى أسماء الشوارع التي تتحوّل إلى مُحامل للذاكرة. وهنا ينسجم هذا التصوّر مع مقولة موريس هالبواكس (1950)  عن أن الذاكرة الجمعية تتجسّد في الأمكنة أكثر مما تتجسّد في النصوص، وأن الجماعات تعيد تشكيل هويتها عبر استحضار أمكنتها التاريخية.

وتتيح النظريات المكانية الحديثة، ولا سيما لدى هنري لوفيفر (1991)، إطارًا أوسع لفهم هذا الارتباط. فلوفيفر يؤكد أن المكان نتاج اجتماعي-سياسي، وليس معطًى جاهزًا. وطبقًا لمستوياته الثلاثة (المكان المعاش، المكان المُدرَك، المكان المتصوَّر)، يمكن قراءة المكان العراقي بوصفه فضاءً أنتجته السلطة عبر التقسيمات السياسية والأمنية، كما أنتجته التجربة اليومية للعراقيين عبر الخوف والحنين، وأنتجته المخيلة عبر استعادة أمكنة ما قبل الحروب وما بعدها. وبذلك يصبح المكان العراقي تجسيدًا لعملية إنتاج مستمرة تتداخل فيها الدولة، والمجتمع، والذاكرة.

ويعمّق ميشيل فوكو (1986)  هذا الفهم من خلال مفهوم الهيتروتوبيا؛ أي الأمكنة التي تعمل وفق منطق خاص داخل المجتمع، وتمارس السلطة عبر خصوصيتها. ويمكن قراءة عدد من الأمكنة العراقية (وخصوصاً في زمن النظام السابق: مثل القصر الجمهوري، مقرات الأجهزة الأمنية، السجون، المناطق المحصنة أو المحظورة) بوصفها هيتروتوبيات تشكّل حدودًا نفسية واجتماعية جديدة تحكم حركة الأفراد وتعيد رسم تصورهم عن الفضاء العام. أمّا إدوارد سوجا (1996)  فيطرح مفهوم “الفضاء الثالث” الذي يجمع بين الفضاء المادي والفضاء الاجتماعي والفضاء التخييلي، وهو مفهوم يتّسق مع التجربة العراقية السابقة حيث تتداخل المدينة كما تُرى في ذلك الزمن (بنايات مهدّمة، نقاط تفتيش، مناطق مغلقة) مع المدينة كما تُعاش (خوف، تكيّف يومي، ذاكرة الحرب) ومع المدينة كما تُستعاد في الوجدان (الحنين إلى ما قبل التحولات السياسية والاقتصادية). وبهذا المعنى، أصبحت مدن العراق – البصرة، النجف، ذي قار وغيرها – فضاءات ثلاثية تتجاوز ظاهرها العمراني. ويظهر بُعد آخر للمكان في العراق من خلال منظور بيير بورديو (1984، 1986)، الذي يسلّط الضوء على “الرأس المال الرمزي والمكاني.” فالتفاوت بين المناطق، وتصنيفها طبقيًا أو طائفيًا أو أمنيًا، ووجود مناطق “مهمّشة” وأخرى “مخدّمة”، يولّد ما يسميه بورديو بـ “العنف الرمزي” الذي يعيد إنتاج اللامساواة عبر المكان نفسه. وبهذا يتحول المكان إلى مؤشر على الطبقة والانتماء والمكانة الاجتماعية. وفي ضوء هذه الأطر النظرية، يُفهم أن المكان في العراق ليس محايدًا؛ بل يحمل آثار الحروب والحصار والنزوح والطائفية والتهجير، ويُقرأ دومًا عبر الذاكرة. إذ يُستعاد المكان من خلال جمل نمطية مثل: “هذا الحي كان آمنًا”، “هنا وقع تفجير”، “هنا كان بيت الجيران”، “هذا الطريق كنّا نسلكه قبل الحرب”. وبهذا يتحوّل المكان إلى مرآة للذاكرة وإلى بنية ثقافية تعمل على تشكيل الوعي والهوية.

وتكشف التجربة العراقية كذلك عن علاقة مركّبة تقوم على القلق والتعلق في آنٍ واحد: حيث يحب الفرد مكانه ويخشى عليه، ويرغب في البقاء لكنه يخاف تبعات البقاء، ويود المغادرة لكنه لا يملك الانفصال عنه. وهذا التوتر النفسي جزء أصيل من أيديولوجيا المكان في سياق اجتماعي وسياسي مضطرب. وفي مستويات أخرى، يصبح المكان مسرحًا لعدم المساواة و”جسدًا جغرافيًا مجروحًا” كما تعكسه الذاكرة المرتبطة بالتهجير، والفقد، والعنف. وتتجسد “الإيديولوجيا غير المرئية للمكان” في الحدود التي يفرضها الخوف، وفي التصنيفات الأمنية، وفي خطوط السيطرة التي تحوّلت إلى عناصر في تشكيل الهوية اليومية دون وعي.

خلاصة القول: إن المكان يمارس دورًا حاسمًا في إعادة تشكيل الهوية العراقية الفردية والجمعية. فالعلاقة بالمدينة أو الحي أو الريف ليست علاقة جغرافية فقط، بل هي نظام رمزي_ثقافي تعيد الجماعة عبره إنتاج ذاكرتها وقيمها ورمزيتها. ووفق المنظور النظري الممتد من لوفيفر إلى سوجا ومن تُوان إلى بورديو، يمكن القول إن المكان العراقي ليس مجرد فضاء، بل هو منظومة دلالية تحمل آثار التاريخ، وتحفظ ذاكرة الجماعة، وتعيد إنتاج أنماط الانتماء والسلطة والهوية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *