الحرب الأميركية الإسرائيلية المفروضة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية تدخل في يومها الخامس، مع واقع قد يبدو مريراً على الجانبين، فالطائرات الأميركية والإسرائيلية فرضت مظلتها شبه الكاملة على جميع السماء الإيرانية وسط محدودية لمنظومات وبطريات مقاومة الطائرات الإيرانية والتي تم قصفها وتدمير اعداد كبيرة منها في الجغرافية الإيرانية خلال أيام الحرب.
بذات الوقت، فإن الاعتماد الكامل على سلاح الجو والصواريخ من الجانب المعتدي يبدو انه بات يدخل خانة الاستنزاف اللوجستي. فحينما نسلط الضوء على واقعية المشهد العسكري الذي أججته الولايات المتحدة بدفع من إسرائيل – ودون أدنى دعم او تأييد غربي وأوربي مسبق لهذه العملية – ووسط غياب واضح للموافقات من الداخل الأميركي نفسه وما صاحبه من انشقاق وتنازع، كل ذلك بات يُتَلَمَّسُ عبر هذا الاستنزاف مع مرور أيام الحرب، حيث إتضح ان الجانب الأميركي بدأ يحصد ما جناه من تهور ترامب وتفرده في قرار الحرب تلبية لنتنياهو.
مراقبون عدة من الداخل الأميركي رأوا أن واشنطن ومع حلول اليوم الخامس من حربها ضد ايران بدأت تغوص بوحل مستنقعٍ (اللوجستيات العسكرية)، التي قد تصبح (كعب أخيل) في هذه المواجهة، حيث بات جلياً أن المنظومة العسكرية الأميركية التي تتمظهر بلباس القوة والبأس الشديد، لاحت فيها نقطة ضعف رئيسة تمثلت بالكُلَف المالية المهولة لأدامة (لوجستيات المعركة وامداداتها).
انهيار التحصينات الساحلية
فمع امتداد الاذرع الصاروخية والمسيرات الإيرانية الى الضفاف الخليجية ودكها لجميع القواعد العسكرية والمنشآت الساحلية الأميركية في تلك الجغرافية، حُرمت واشنطن من عناصر الامداد واللوجستيك الميداني القريب، وبات كل اعتمادها على ما ينجز جواً، لاسيما مع توقف الامدادات العسكرية البحرية عبر الخليج.
من هنا، ومع انعدام العمق الاستراتيجي المطلوب، بات استنزاف المخزون ومحدودية الامدادات الأميركية ينذر بدخول الحرب مرحلة صعبة بالنسبة لواشنطن مع بقاء سياسة القصف الاستنزافي الإيراني في جغرافية الحرب.
قراءات الخبراء تشير إن لوازم تدمير الفاعلية الإيرانية المترامية الأطراف، وشل القدرات الهجومية الإيرانية تتطلب إمدادات لوجستية مستدامة طيلة ساعات الحرب مع ما يرافقها من كلف مليارية باهضة تقض مضاجع البنتاغون والكونغرس الأميركي ناهيك عن سخط الأوساط السياسية هناك.
ولعل ما يجعل الكفة تميل في غير صالح القوات الأمريكية هو امتلاك إيران لترسانة صواريخ وصفها خبراء عسكريون اميركيون بانها (لا تنضب)، وهي موزعة داخل مدن عسكرية في الأعماق، ومترابطة بشبكة أنفاق ومنشآت شديدة التحصين تحت الأرض. ومؤكد ان هذا التفوق النوعي في التخزين والإخفاء يضع (اللوجستيات الأمريكية) أمام اختبارات غاية في الصعوبة جراء الاستنزاف بفعل إطالة امد الحرب، فبينما تمتلك إيران مخزوناً محمياً، تعتمد الولايات المتحدة على خطوط إمداد طويلة جغرافياً ومعقدة ومعرضة للاستهداف الدائم من قبل الخصم.
نقطة الضعف القاتلة
إن تحول اللوجستيات إلى (كعب أخيل) وفق توصيف محللين عسكريين اميركيين، يعني أن القوة العسكرية الأمريكية مهما بلغت ضخامتها، تظل رهينة لسلامة خطوط الإمداد بالوقود والذخيرة وربما الميرة لحلفائها. ولعل هذا الضاغط يتعاظم خصوصاً في مواجهة خصمٍ عقائديٍ شرسٍ ديدنه الصبر الاستراتيجي ومتسلح بخطط مواجهة عسكرية طويلة الأمد اعد لها منذ اعوام مديدة، الى جانب امتلاكه لقدرة تدميرية متواصلة من تحت الأعماق.
ووفق واقعٍ كهذا، فإن إطالة أمد الحرب بات عنصرا يلحق الضرر بالاميركي الإسرائيلي المعتدي اكثر مما يضير بأصحاب الأرض الإيرانيين. وبالتالي، فإن اللوجستيات الأميركية ستبقى ابرز نقاط الضعف في هذه المواجهة، ما قد يلحق شللاً في بنية القوة الأمريكية بالكامل وإخراجها من حسابات المواجهة الميدانية.
ورغم ان ترامب دخل هذه الحرب دون اية اهداف واضحة ومثبتة مسبقاً، إلا ان محصلتها النهائية قد تقود الى سقوط القلاع والقواعد والمنشآت الأميركية في سواحل الخليج قاطبة، ما ينذر بأنهيار منظومة الحماية الأميركية المزعومة لبلدان الخليج والمنطقة الى الابد.


