مقدمة:
صدق اللهُ العلي العظيم، هكذا كان التساؤل، وهكذا كانت حال الأمة الإيرانية تحت وطأة الحصار الأميركي الغربي المحكم :(يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ)، وهكذا كان جواب الإمام القائد الشهيد السعيد السيد علي الخامنئي.
ونحن في ظل الحرب الظالمة التي شنتها اميركا وإسرائيل على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وعلى اعتاب وقفِ إطلاقِ نارٍ هش بفعل غطرسة نتنياهو، وهستيريا تجرعه لغصص سُمِّ النصر الإيراني المؤزر على اعتى قوتين في الكرة الأرضية، تمر علينا الذكرى الأليمة ذكرى مرور أربعين يوماً على عروج قائد الثورة الإسلامية آية الله الشهيد السعيد السيد علي الخامنئي.
دون شك، فإن النهج الذي مثله الشهيد القائد كان نهجاً فريداً ونسيجاً وحده، إذ بنى لبنةً بلبنة هيكلية وبنائية تيار المقاومة والصمود في ايران والمنطقة، جاعلاً هذه البنائية بصورة مسؤولة كي تتحمل واجبات المجابهة والوقوف بوجه أعتى دكتاتوريات الغطرسة والتجبر في المنطقة والعالم والمتمثلة باميركا وربيبتها إسرائيل، وهي مسؤولية عظيمة وجد القائد الشهيد مسؤولاً مباشراً في تحمل أعبائها.
ورغم مواجهة السيد الشهيد – ومنذ تسنمه مهامه القيادة عام 1989- لأشد الضغوط والتحديات الجسام سواء من الداخل الإيراني، أو من خارجه، إلاّ أنَّهُ كان دقيقاً حصيفاً متأنياً ثابت العزم في تجسيد منهجيته في مواجهة المشروعين الأميركي والإسرائيلي معاً.
ورغم ان الداخل الإيراني كان مشحوناً ومكتظاً بعواصف سياسية شتى فرضتها تبعات وإرتدادات الحرب المفروضة على ايران من قبل النظام الصدامي الطغياني، وما اضيف اليها من ويلات الحصار الاقتصادي الأميركي الغربي الخانق والجائر على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إلاّ أن منهجية السيد الخامنئي كان تراكم من سبل الإحتواء الداخلي، وتعزيز جبهات المواجهة الداخلية، وتجهدُ في تنظيم وبناء مقومات الدولة الصالحة القوية، ليس لاجل إحتواء آثار الحصار الاقتصادي المدمر للبلد وحسب، بل إنَّ هذه المنهجية أعدتْ طبقات وطبقات من أذرع المواجهة الاقتصادية والوقاية المجتمعية، وكارتلات ومؤسسات مواجهة الحرب الإعلامية الضارية التي كانت تشن بأوج قوتها ضد الجمهورية الإسلامية وضد تيار المقاومة.
وفي خضم هذا وذاك، كانت جهود السيد الشهيد بارزة الأثر في مواجهة جميع محاولات تفكيك النسيج الاجتماعي الإيراني الداخلي التي سخرت له القوى الأميركية والاستكبارية عشرات المحطات وآلاف المواقع الانترنيتية الموجهة تحديداً الى الشعب الإيراني وباللغة الفارسية، إذ لم يدخر السيد الشهيد جهداً في مواجهة كل ذلك عبر بناء كراديس وكراديس ومجاميع من الرجال والنساء المتخصصين في القطاعات الإعلامية ومواجهة الحرب الناعمة التي تشن ضد ايران وضد محور المقاومة، مُغدِقاً عليهم الشهيد الخامنئي بالوقت والصبر والأموال اللازمة حتى قويت شكيمتهم وتعززت جبهتهم وانطلقوا في سواح المنافحة المواجهة في خضم هذه الحرب الناعمة (الشعواء).
أولاً: استراتيجية توحيد الامة الايرانية، وتمتين القوة الداخلية:
عمل الشهيد السعيد آية الله السيد علي الخامنئي، بالتركيز على ثنائية (توحيد الامة) و(تعزيز القوة الداخلية) واعتبارها استراتيجية ثابتة وراسخة، وليست كردِ فعلٍ آنيٍ طيلة عمر الثورة الإسلامية وطيلة أعوام المواجهة والحصار الخانق. وإستمر هذا المناول بذات النفس والتوجه حتى تمظهر كمنهجية متنامية ما دامت أعوام الحصار، حيث تم التركيز خلالها على توثيق الآواصر الوطنية داخل البلد الواحد، وتعزيزها بالروابط المجتمعية، وتغليب مفهوم التسامح الداخلي مع جميع الفئات والمذاهب والقوميات. فكانت تلك المنهجية فاعلة التأثير كصمام آمن يضبط إيقاع ووتيرة الأداء اليومي في جميع مفاصل الدولة الإيرانية المترامية الأطراف.
ثانياً: استراتيجية توحيد الأمة الإسلامية (وحدة الساحات والمقدسات والمصير):
لم ينظر الإمام الشهيد الخامنئي إلى الامة الإسلامية كشعارٍ عاطفيٍ ووفقَ إطارٍ مُبسط، بل توجه الى تبنى هذا الشعار ليكون شعاراً اساسياً ومركزياً، وجعله يحمل مقومات الثبات الذاتي، ليتمظهر تالياً كقوة سياسية وإقتصادية وعسكرية يراد منها تعزيز وجود الامة في حراكها وسعيها، وفي مسيرها خلال مواجهة الهيمنة والغطرسة الأميركية والإسرائيلية والغربية، وتحديداً بمنطقتنا الجغرافية في غرب آسيا – كما يحلو للسيد الشهيد ان يُوَصِّفَ جُغرافياً للتخلص حتى من إصطلاحات الغرب الجائرة المنافقة-.
ولعل بعض تلك الابعاد تجلت في :
محور المقاومة كذراع عابرة للحدود:
دونما مواربة، يمكن التأشير أن ابرز إنجازات القائد الشهيد هو الانتقال بـ(المقاومة) من كونها فكرة أيديولوجية عائمة، والانتقال بها الى مرحلة التخليق كـ(كيانٍ جيوسياسي) غاية في التأثير بمنطقة (غرب آسيا)، راسماً الشهيد بذلك معالم خطِ فاعلية هذا التيار من طهران شرقاً، وامتداداً الى بيروت غربا، ومن صنعاء جنوباً وحتى العراق شمالاً.
ولعل جدية الشهيد في هذا الجانب تمظهرت باختياره لخيرة قادته الميدانيين كـ الشهيد السعيد الجنرال الحاج (قاسم سليماني) ليكون عَرّابَ حراكِهِ وتحركِهِ الميداني المبارك في تمتين بنائية هذا المحور المهم في المنطقة، بدءاً من بغداد، ومروراً بدمشق وبيروت، وليس انتهاءً بصنعاء.
الشهيد السعيد علي الخامنئي واضع أدبيات تيار المقاومة وباني سرديتها:
كرس الشهيد السعيد جُلَّ رسائله وتوجيهاته وخطبه المباشرة، وفي أحيان استخدامه للغة العربية الفصحى في وضع وبناء (سرديةٍ خاصةٍ لتيار المقاومة)، وهو يُجردُ قائمةً من الاصطلاحات الضابطة للخطاب المقاوم، والتي تبناها وأعظم من أدوارها في الاستخدام اليومي الشهيد السعيد السيد حسن نصر الله امين عام حزب الله في لبنان.
ولعل على رأسها: إصطلاحات (العدو الصهيوني الغاشم) بدل إسرائيل، وأنه يمثل (عصابة إجرامية)، و(غدة سرطانية يجب استئصالها من جسد الامة)، والكثير من لبنات بناء السردية التي كانت تتداول في لغة وأدبيات (محور المقاومة) كل يوم.
وما من شك، أن تعاظم وتوسع وانتشار هذه السردية في ادبيات محور المقاومة، والتركيز على محورية قضية الامة (قضية نصرة فلسطين، وحقانيتها) وجعلها القضية المركزية للأمة، كل ذلك أسهم في إندلاع ثورة الحجارة في فلسطين، ثم تلتها معارك (طوفان الأقصى)، لتكون هذه التحولات مفصلاً إستراتيجياً بارزاً في حياة الامة الإسلامية، لا لكونها تثوير لطاقات الأمة الشبابية وحسب، بل لكونها باتت تمثل فعلاً ضاغطاً مستمراً على العدو عبر ضرباتٍ متواليةٍ تطال بنائية كيان الاحتلال الصهيوني والفضح لـ(هيبته الصورية الزائفة)، والتي كان يتشدق بها على الدوام، وانه ( القوة التي لا تقهر ولاتمس ولايمكن الاضرار بها) وان (إسقاط إسرائيل هو ضرب من الخيال)، كل تلك الثوابت والركائز الصهيونية، أتى عليها طغيان لغة وادبيات المقاومة وحطمت من اسطورتها التي بنتها إسرائيل بالحروب وبتراكم ترسانة التسلح التقني الهائل منذ سبعينيات القرن الماضي فصاعداً.
فضح الازدواجية الأميركية والأوروبية:
كذلك، فإن من أهم إجراءات التوحيد التي قادها الشهيد السيد الخامنئي هو كشفه للوجه الحقيقي لأميركا والغرب، الامر الذي أفقد فاعلية أدوات الحرب الناعمة التي تشنها القوى العدوانية الأميركية والإسرائيلية والغربية مستهدفة أبناء الامة الإسلامية، حيث كانت لكشوفات السيد الخامنئي في خطبة ورسائله وتوجيهاته المستمرة دوراً فاعلاً في تبيان حقيقة وابعاد حرب الوعي التي تمارس ضد أبناء الامة من قبل اميركا والغرب وإسرائيل عبر شتى الأدوات الناعمة المستخدمة في هذه الحرب.
كما ان السيد كان قد شَخَّصَ مبكراً جداً حجم وأبعاد النفاق الأميركي والغربي وتشدقه بموضوعات (حقوق الانسان، والمواثيق الدولية، والاتفاقات والمعاهدات الإنسانية)، وسوى ذلك كثير، حيث ادرك وفضح مبكراً منهجية اميركا والغرب وإسرائيل النفاقية، وسياسة الكيل بمكيالين، وان جميعهم يتعاملون مع البلدان الإسلامية والبلدان المستضعفة بنظرة استعلاء واستكبار وغطرسة ليس لها مثيل.
ومنذ ذلك الحين، وكان الشهيد السعيد قد دك ركائز جهاد التبيين في أوساط النخب الفاعلة في الامة، راسماً لها مسارات التحرك في ابعاد هذا الجهاد، بغية احتواء أوار الحرب الناعمة التي تشن على الجيل الجديد في أوساط الأمة، والذي بانت عليه علامات التأثر جرّاء ويلات تلك الحرب الناعمة (الشعواء).
وفعلاً، ادركت النخب المتصدية في أوساط الامة، أن ليس هناك فرقٌ بين كل الإدارات الأميركية، جمهوريةً كانت، ام ديمقراطية، فالجميع يأتمرون بأوامر (الدولة العميقة) التي تحركها لوبيات الضغط في الداخل الاميركي (الايباك والصهيونية العالمية)، فالجميع يجاهر بسياساتٍ استعماريةٍ، استكباريةٍ، متغطرسةٍ لا اهداف لها على الدوام سوى إلحاق عظيم الإذلال والإضرار الفادح بجسد وأوصال الأمة الإسلامية، والتحرك المحموم صوب نهب ثرواتها وخيراتها العظيمة.
نزع الصدقيّة عن مدعيات الإستكبار:
ولعل هذه الفاعلية من قبل الشهيد السعيد اية الله السيد علي الخامنئي أسهمت في افقاد الجانب الأميركي والإسرائيلي والغربي الكثير من (صدقيّتها) المصطنعة، محذراً ولمراتٍ عدة من أن إصفرار الإبتسامة الأميركية والأوروبية المصطنعة، لم تكن سوى (السُمَّ الناقع) للأمة الإسلامية وعلى الدوام، محذراً على وجه الخصوص البلدان العربية والخليجية من مغبة تسليم مقاليد الأمور لإسرائيل وأميركا بذريعة ومزاعم (توفير الامن!)، عارضاً ومُتيحاً في كل مرة إمكانية إيجاد نظامٍ إقليميٍ مناسب لتوفير الامن المناطقي والإقليمي بدل الاستعانة بالاعداء الذي يدقون إسفيناً في جسد الامة الواحدة، ويذهبون بها شتى المذاهب.
منهجية تقريب المذاهب، كعربونٍ واضح لمنهجية الوحدة:
لم يكن الشهيد السعيد، يرنو الى جانب التنظير في طروحاته مع العالم الإسلامي والعربي والخليجي تحديداً، فلطالما سعى ونفذ وبخطواتٍ واجراءاتٍ سبّاقة لإيجاد التقارب بين اوصال الامة سعياً لتوحيدها، وما المؤسسات الكبرى والمؤتمرات العظمى التي عقدها بصورةٍ دوريةٍ في مضمار (التقريب بين المذاهب الإسلامية) إلا خطواتٍ مبكرةً وسبّاقةً من جهود السيد الشهيد في لم شتات الامة وتوحيد اوصالها والتقريب بين مذاهبها المختلفة.
حيث كانت هناك العشرات من الدعوات السنوية لعقد المؤتمرات والملتقيات والندوات لعدد من المؤسسات الكبرى التي تم ايجادها في ايران وخارجها تعمل تحت يافطات (التقريب بين المذاهب الإسلامية)، وذلك من اجل العمل الحثيث نحو التقريب بين المذاهب الإسلامية، سعيا لخلق حالة الوحدة في جسد الامة الإسلامية.
هذا الخطاب سعى بجدِ المخلص، ومثابرة الحريص دائماً لإيجاد حالة وحدة الصف، ليس على الصعيد الإيراني وحسب، بل على صعيد جميع دول المنطقة الأخرى لاسيما الدول العربية والخليجية.
وكانت معظم تلك المنتديات والمؤتمرات الضخمة التي تعقد في العاصمة الإيرانية تجري باشرافٍ مباشرٍ من لدن الشهيد السعيد وبحضوره دائماً ، الامر الذي يثبت بما لا يقبل الشك حجم الجهود العظيمة التي سخرها الشهيد في مجال لملمة شتات الامة ورأب صدعها.
ولطالما كانت خطابات السيد الخامنئي في تلك المؤتمرات تؤشر على مواطن ضعف الامة، والتحذير من لا جدوائية أيّة مفاوضات مع العدو الصهيوني، الى جانب التحذير من مغبة تقديم المزيد من التنازلات العبثية لجانب العدو من بلدان المنطقة نتيجة للضغوط الأميركية والصهيونية.
الثبات في موضوعة الملف النووي الإيراني:
لقد جسّد الشهيد السعيد حجم الحقانيّة والثبات على المطالبة بالحقوق المشروعة للبلدان حينما وطَّد دعائم المواقف الإيرانية الثابتة في حصولها على منجزات الطاقة النووية للأغراض السلمية، ذلك الملف الذي جوبه بحربٍ إعلاميةٍ عالميةٍ شعواء تقودها إسرائيل وأميركا ضد حق ايران في امتلاك الطاقة النووية حتى ولو كانت للأغراض السلمية.
ولقد خصص الشهيد رجالات مبرزين لتولي ملف المفاوضات مع الجانب الغربي والأميركي في تثبيت الحق الوطني الإيراني في الانتفاع من الطاقة النووية للأغراض السلمية، حيث كانت الأهداف المتوخاة من سلسلة المفاوضات مع الغرب هو رفع العقوبات الاقتصادية الظالمة التي كانت مفروضة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ عقود مديدة، على الرغم مما كان يعتمل في صدر الشهيد من يقينٍ وقاطعية بـ(لا جدوائية) اية مفاوضات مع الجانب الأميركي على أقل التقادير.
ولعل ذلك اليقين لدى السيد الخامنئي تجلى بوضوح حينما مزق الرئيس الأميركي خلال عهده الأول وثيقة الاتفاقية التي تمخضت عنها أعوام المفاوضات الطويلة بين ايران ومجموعة (5+1)، إذْ مزَّقَها ترامب معلناً إنسحاب الولايات المتحدة الرسمي منها، لتتضح بجلاءٍ مواقف السيد الخامنئي المُعتَقِدَة بانعدام الثقة بالعدو بشكل مطلق، ليؤسس بذلك شعار (عدم الثقة) و(عدم المصداقيّة بأميركا) كثابتٍ وطنيٍ جامع. ثم ليجعل من ذلك الثابت، نبضا واعياً في عقل الامة، الامرُ الذي حال دون أن تخترق المشاريع الأميركية جسد المجتمع الايراني بشكل فادح، وبقاء محدودية آثار ذلك الاختراق، مع إنعدام إمكانية إحداث أيِّة اصطفافات ديموغرافية أو ثقافية في الداخل الإيراني الا بشكلٍ شِبه محدود.
تحصين إيران من الداخل (الإجراءات العملية لمواجهة الحصار):
بالتوازي مع جهود السيد الشهيد لتوحيد الأمة، كان لا بد من بناء نموذج داخلي قادر على الصمود، وهنا تجلت حكمة القائد كـ(مهندس للمقاومة الاقتصادية):
ــ وجه جميع الجهود للانتقال من استراتيجية (رفع الحظر الاقتصادي)، الى إستراتيجية (تحييد الحظر الاقتصادي).
ففي خطاباته التاريخية، وضع القائد الخامنئي الهدفيّة للمرحلة التالية، كنقطةٍ فيصليةٍ في مخاض المواجهة، مؤسساً بذلك لإستراتيجيةِ عملٍ مقتضاها: وجوب أن لا تنتظر إيران الموعدَ الذي ترفعُ فيه اميركا والدول الغربية الحظر كي يعيش الشعب الإيراني؛ بل يجب أن يعيش هذا الشعب بشكل طبيعي عبرَ صنعه هو بنفسه لمقومات الازدهار، وإن كان تحت طائلة الحظر الاقتصادي المستطيل والجائر.
وقد كانت هذه الاستراتيجية تمثلُ تحولاً هائلاً في آليات مواجهة الحظر الاقتصادي، فبدلاً من الإنهاك السياسي في فيينا أو نيويورك، او عواصم استكبارية أخرى، وجّه القائد طاقاته نحو الداخل لخلق وصناعة (الاكتفاء الذاتي) بالاستعانة بالطاقات الوطنية والشابة، وعبر تمكين مقومات العلوم وصناعة واستخدام التقانة المعاصرة مهما بلغت من كلف واثمانٍ باهضة.
وهذا ما كان بالفعل، حتى أصبحت الجمهورية الإسلامية الإيرانية دولةً تقنية متطورة تزاحم البلدانَ المتقدمة في التخصصات المتقدمة بمجالات الحوسبة والنانوتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وتقنيات الليزر المتطورة والأبحاث المتقدمة في الخلايا الجذعية وسوى ذلك من المجالات التي كان لإيران باعاً طويلاً ، وقدماً راسخاً فيها.
ــ تعزيز القدرات الدفاعية والعلمية:
شدد القائد على أن تحقيق دعائم (القوة في جميع الأصعدة، الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية، والدفاعية) هي السبيل الوحيد لمنع أي عدوان من قبل الأعداء.
وكان هذا اليقين المبكر المستحصل لدى الشهيد السعيد قاد الى تحقيق قفزات نوعية في قطاعات انتاج وتكثير الصواريخ الاستراتيجية حتى باتت هناك مدن للصواريخ تحت أعماق الأرض، الى جانب تنمية قطاع التقنيات النووية السلمية والطب الحيوي، ما جعل تكلفة ومغبة أي عدوان قد يشنه الأعداء ضد إيران ستكون باهضة وفادحة جداً، وهو ما اثبتته حرب الأيام الاثنا عشر والحرب الأميركية الإسرائيلية الأخيرة ضد الجمهورية الاسلامية.
بناء اقتصاد المقاومة:
كان للنداء المتواصل والمتكرر للقائد الشهيد بحتمية التحول من الاقتصاد الريعي والتخلص من ربقة الاعتماد على ريع النفط وحده، وحتمية بناء منظومات اقتصادية وانتاجية ومعرفية وطنية هي الباعث الحقيقي الأول الذي قاد فيما بعد لتعاظم سلاسل الإنتاج الوطني ودعم المنتج المحلي وتضمينه كسلاح لمواجهة الحرب الاقتصادية الأميركية والغربية التي تشن على الجمهورية الإسلامية.
المواجهة المباشرة للعدوان الصهيوني الأميركي:
في مواجهة العدوان، لم تكن سياسة القائد الخامنئي دفاعية بل كانت استباقية بلحاظ جاهزية أطر الردع الإيراني ومقوماته.
ـ الردع بالوضوح:
العديد من البلدان تستضعف بسبب غموض سياساتها، لكن الشهيد السيد الخامنئي اتسم بالوضوح المُبهِر، إذ هو معلنٌ على الدوام وصراحةً بأن (إسرائيل ما كانت لتقوم لولا مساندة الولايات المتحدة)، لاسيما خلال مجازرها الأخيرة ضد الفلسطينيين في غزة.
إذ وجدنا السيد القائد يشدد دوماً بأنَّ (اميركا متورطة دوماً بجرائم كيان الاحتلال الصهيوني). هذا الوضوح وهذه البينونة، لم تكن لتترك أي مجالٍ للخصوم للمناورة، واضعاً بذلك السيد الخامنئي أوضاع المنطقة أمام خياراتٍ واضحة: إما الإصطفاف مع معسكر الصهاينة ومن ورائهم اميركا، او الوقوف بثبات مع تيار المقاومة.
ـ معادلة الانتقام:
منذ اغتيال القائد الشهيد الحاج قاسم سليماني قدس سره، وضع سماحة الشهيد القائد الخامنئي معادلة تقضي بعدم ضياع حقوق الامة وحتمية الانتقام لشهدائها، فكانت ضربات ذلك (الانتقام المحتم) القشة التي قصمت ظهر الصمت والخوف لدى الامة، حيث تم كسر حاجز الخوف لدى شرائح واسعة من رجالات الامة الذين كانوا يكتفون في السابق ببيانات الإدانة والاستنكار والشجب الدبلوماسي، حيث نقلتهم جرأة السيد وشجاعته الى ترجمة الاقوال بالأفعال، وإقتران العدوان بالردود القاصمة لا بالشجب والاستنكار الباهت وحسب.
من هنا، فقد رأينا أنَّ الشهيد السعيد قد نقل مرحلة المواجهة من التهديد الى الأداء الفعلي المؤثر في أعماق العدو، سواء عبر الضربات الصاروخية المباشرة على القواعد الأميركية كما رأينا (عقب استشهاد الحاج قاسم سليماني)، حيث وضع تعريفاً جديداً لقواعد الاشتباك في المنطقة، معيداً صياغتها وفقاً للأبعاد الإيرانية المستجدة، حيث لم يعد الوجود الأميركي مضمون الحصانة في المنطقة كما كان في السابق.
وهكذا تصاعدت حدة المواجهة بوتيرة متفاقمة، خصوصاً خلال العدوان الاميركي الصهيوني السابق (حرب الـ12 يوماً)، وكذا في خضم الحرب الأميركية الصهيونية الراهنة، حيث كان الموقف الإيراني واضحاً بدعم المقاومة وبتجلي كاشف صراحة عن (وحدت ساحات المقاومة)، الامرُ الذي حرم العدو من الاستفراد بجبهة دون اخرى، وبالتالي لم يُتح للعدو أن يحقق أيَّاً من أهدافه الميدانية التي اعلنها قبيل تأجيجه لحروبه.
الخاتمة:
ما من شك، أن ما قدَّمه القائد الشهيد آية الله السيد علي الخامنئي قدس سره، ليس مجرد مواقف عابرة للأحداث، بل هي استراتيجية متكاملة، ونماذج بالغة التأثير في الامة، وأنموذجاً يحتذى في مسيرة التصدي الحضاري القائمة، مثبتاً وطيلة عقود عمره الشريف، منذ بدء الحصار الأميركي ـ الغربي على ايران، وحتى هذا العدوان الأميركي الإسرائيلي الأخير، أنَّ صمود الجمهورية الإسلامية الإيرانية كان أحد دعائم وحدة الأمة، ومدعاةً لتمظهر ونضج ونمو محور المقاومة في اوساطها. ومؤكد ان كل ذلك كان نتاجاً فذاً، لقيادة فذة أصرّت على تحويل التهديدات إلى فرص، وانتقلت بالامة من حالة الجمود والتراخي والابتذال والارتهان الكامل للإستراتيجيات الأميركية والغربية والصهيونية، الى ان تتبنى الامة استراتيجية رفض الاستسلام والخنوع بأي شكل او تحت طائلة اية ضغوطٍ مهما كانت هائلة.
إن الجهود الصهيونية ـ الأميركية التي سعت جاهدة لفرض وإيجاد حالة (الاستسلام الاستراتيجي) في جسد الامة، جوبهت بأعلى معالم (الصبر والاصطبار الاستراتيجي) الذي أسسه القائد الشهيد، مقدماً أنجع وصفات العزة والشموخ ورفض الارتهان والذل. حيث تحولت ايران خلال عقود قيادته من دولة محاصرة اقتصاديا وعلميا، إلى قوة إقليمية مؤثرة تمتلك أدوات الردع الاستراتيجي، فضلا عن الانتقال بحالة الامة، من أمة متناحرة متشظية، الى جبهة وتيارٍ مقاومٍ موحدٍ تحت رايةِ تحرير القدس الشريف.
إن مسيرة القائد الشهيد، واستذكارها في اربعينيته الخالدة، تحكي قصة النهوض بالامة من حالة (الاستجداء لأميركا واسرائيل والغرب) الى (الاعتماد على الذات)، ومن حالة التفرق والتشظي، الى حالة الوحدة المتراصة في مواجهة (الطاغوت الإميركي ـ الإسرائيلي) مهما تحالكت الظروف، ومهما عسرت الازمان، لأن الاتكال دائماً يكون على الله تعالى، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، لتغدو بحق امةَ (صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ).


