الشهيد آية الله خامنئي: استمرارية المسار في مواجهة الظلم

الشهيد آية الله خامنئي استمرارية المسار في مواجهة الظلم
يتناول النص مكانة آية الله علي خامنئي بوصفه رمزاً دينياً وسياسياً في مواجهة الهيمنة العالمية، مؤكداً أن مسيرته الفكرية والجهادية مستمرة بعد رحيله، وأن الثبات على المبادئ ودعم قضايا المستضعفين يشكلان جوهر رسالته للأمة الإسلامية....

يمثل استشهاد آية الله العظمى السيد علي الخامنئي (قدس) محطة فارقة في تاريخ النضال الإسلامي المعاصر ليس فقط لما مثلته شخصيته من ثقل علمائي وجهادي بل لما جسده مساره القصير والممتد في الزمن من معانٍ سامية للتضحية والفكر الثاقب في مواجهة قوى الاستكبار العالمي. إن الحديث عن هذه الشخصية الفذة لا ينبغي أن يقتصر على استحضار مناقبها الفردية أو سرد محطات حياتها المباركة فحسب بل يتجاوز ذلك إلى استخلاص العبرة الكبرى من مسيرته التي تؤكد أن الأفكار الكبرى لا تموت بموت أصحابها بل تبقى نبراساً يضيء الطريق للأجيال المتعاقبة وتبقى رايتها خفاقة في سماء البذل والعطاء. لقد سار هذا العالم المجاهد على طريق وعر وشائك هو طريق إحياء الدين في واقع الأمة وطريق كشف زيف قوى الظلام التي تتربص بالشعوب المستضعفة وطريق إعلاء كلمة الحق في وجه الباطل المتجبر وهذا الطريق بحكم طبيعته الإلهية والتاريخية لا يتوقف عند حدود الأفراد ولا ينتهي برحيلهم بل هو مستمر ما استمر الليل والنهار وما بقي في الأمة من رجال ونساء يؤمنون برسالتهم ويستشعرون المسؤولية الملقاة على عاتقهم.

إن الجسد الفاني وإن غاب إلا أن الروح التي كانت تسكنه والمنهج الذي كان يحمله والفكر الذي كان ينشره كلها تبقى حية نابضة في قلوب المؤمنين وعقول الأحرار وتتجسد في مساعيهم المتواصلة لتحقيق العدل ونصرة المظلومين في كل مكان. لقد كان الشهيد آية الله خامنئي نسيج وحده في جمع الأصالة الدينية مع الوعي السياسي المتقدم وفي المزج بين العمق النظري والحضور الميداني الفاعل مما جعل مسيرته نموذجاً يحتذى به للعلماء الربانيين الذين لا يخشون في الله لومة لائم والذين يواجهون تيارات التغريب والتبعية بصدر رحب وعزيمة لا تلين. لذلك فإن عدم وجوده الجسدي مهما كان موجعاً وقاسياً على محبيه وتلامذته لا ينبغي أن يشكل بأي حال من الأحوال عائقاً أو حاجزاً أمام استكمال المسار التاريخي الذي خطه بدمائه الزكية وهو المسار التاريخي لمواجهة الظلم العالمي بجميع أشكاله وصوره. فهذه المواجهة ليست ترفاً فكرياً أو خياراً استراتيجياً يمكن التنحي عنه عند اشتداد الأزمات بل هي قدر الأمة الإسلامية ورسالتها الخالدة التي انطلقت من مكة والمدينة لتصل إلى أقصى الأرض وهي فريضة دينية وإنسانية لا تسقط بالتقادم ولا تتعطل بغياب الأبطال. لقد علمنا الشهيد الخامنئي وغيره من شهداء الكلمة والموقف أن قضية فلسطين المركزية وقضايا الشعوب المقهورة في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية هي جزء لا يتجزأ من هموم الأمة الإسلامية وأن التخلي عنها هو تخلي عن جوهر الإسلام نفسه. إن استمرار المسار يعني أن نترجم دماء الشهداء وأفكارهم إلى حركة دؤوبة في الواقع تعمل على كشف مخططات المستكبرين وتفضح أكاذيب المنظمات الدولية التي تدار بأجندات الهيمنة وتدعم كل حركة تحررية في العالم مهما كلفها ذلك من تضحيات. كما أن استمرار المسار يعني أن نغرس في الأجيال الصاعدة قيم الشجاعة والإباء وحب الشهادة وأن نعلمهم أن الحياة الحقيقية ليست في الأبدية الجسدية بل في خلود الأفكار والمواقف وأن الموت في سبيل الحق هو أسمى مراتب الكمال الإنساني. إن الوصية الكبرى التي تركها الشهيد آية الله السيد علي الخامنئي للأمة هي وصية الثبات على المبادئ وعدم التفريط بها تحت أي ضغط أو إغراء، وهي وصية العمل الجاد والمتواصل لبناء الذات والمجتمع على أسس متينة من الإيمان والعلم والأخلاق حتى نكون أهلاً لحمل راية المواجهة الحضارية مع الطغيان العالمي الذي يستخدم اليوم أدوات متطورة من الإعلام والاقتصاد والسياسة لفرض هيمنته على مقدرات الشعوب. إن غياب الجسد لا يعني غياب التأثير بل إن دماء الشهداء كما قال الإمام الخميني (رض) لها بركة عجيبة فهي تحيي القلوب الميتة وتوقظ الضمائر الغافية وتخلق زلزالاً في كيان الظالمين. من هنا تبرز أهمية تحويل ذكرى الشهيد إلى منهج حياة والاحتفاء بمسيرته ليس من خلال إقامة المجالس التأبينية فقط بل من خلال الالتزام العملي بخطه ومدرسته التي ترفض الخنوع وتأبى الذل وتصر على أن الأمة قادرة إذا توحدت ووعت رسالتها أن تكون في طليعة الأمم التي تصنع التاريخ لا تلك التي تكتفي بمشاهدة ما يكتبه غيرها. إن مرحلة ما بعد الشهيد خامنئي هي مرحلة حمل الأمانة بمسؤولية مضاعفة ومرحلة إثبات أن الشهداء لم يموتوا عبثاً وأن دماءهم الزكية كانت الوقود الذي يحرك محرك التاريخ نحو شروق شمس الحرية والعدالة الإنسانية. وفي النهاية تبقى الحقيقة الخالدة التي لا تتغير أن طريق المواجهة مع الظلم العالمي هو طريق الأنبياء والأولياء والصالحين، وأن سالكيه وإن اختلفت أزمانهم وتعددت أماكنهم يجتمعون في الهدف الأسمى وهو إعلاء كلمة الله في الأرض وإقامة قسطاس العدل بين الناس وهذا الطريق مستمر بإذن الله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وسيبقى اسم الشهيد آية الله الخامنئي (قدس)منارة مضيئة.

على هذا الطريق تذكر السائرين بأن الكلمة الطيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *