ثروة العراق النفطية :بين إرادة التصدير ….وتبعية الناقل الأجنبي

ثروة العراق النفطية بين إرادة التصدير ….وتبعية الناقل الأجنبي
العراق يملك ثروة نفطية لكنه يفتقر لأسطول وطني، فيدفع ملايين الدولارات لناقلات أجنبية. مع وجود مئات الخريجين العاطلين في الملاحة البحرية، يكشف غياب الإرادة الاستراتيجية تحويل النعمة إلى نقمة متعددة الأوجه....

حين يسمح للعراق بتصدير نفطه عبر مياهه الإقليمية ومضيق هرمز قد يبدو الأمر وكأنه بادرة سياسية أو تفاهم إقليمي بينه وبين ايران لكن الحقيقة الأعمق تكشف مأساة هيكلية يعيشها البلد الغني بالنفط. فالعراق الذي راهن لأكثر من عقدين على مورد وحيد هو النفط ومركز إنتاجه في البصرة ظل أسير منفذ تصدير واحد تقريباً وسيطرت الصين والهند على نحو 85% من مبيعاته بحسب الاحصائيات بينما لا يمتلك أسطولاً وطنياً للنقل سوى 3 أو 4 ناقلات صغيرة لا تغطي حاجته. وهنا تبرز المفارقة إذ يُضطر العراق للتعاقد مع شركات نقل عالمية لشحن نفطه بأجور تتراوح بين 200 و400 ألف دولار في اليوم الواحد لسفينة نقل واحدة بحسب مصادر اقتصادية .

ما يفتح الباب واسعاً أمام هدر مالي وفساد مستشري لأن غياب الأسطول الوطني يجعل العراق رهينةً لتلك الشركات التي تتحكم بالأسعار والجداول. لكن المشكلة الأكبر لا تكمن فقط في دفع هذه المبالغ الطائلة بل في أن هذا الوضع يبدو مريحاً لجهات فاسدة تستفيد من استمرار التبعية ولهذا السبب بالذات لم يُشترَ أسطول عراقي حقيقي حتى اليوم الذي يقدر ثمنه ب ملياري دولار كاقصى حد لعشرة ناقلات سفن عملاقة بحسب خبراء في هذا المجال .

(يبلغ سعر ناقلة النفط العملاقة الجديدة “VLCC “حالياً ما بين 125 إلى 175 مليون دولار أمريكي بينما تتراوح أسعار المستعملة منها (عمر 5-15 سنة) بين 70 و112 مليون دولار، وذلك وفقاً لتقارير سوق السفن وتختلف الأسعار بناءً على العمر وحجم الحموله ومكان البناء).

كما أن التكامل بين قطاعي النفط والنقل البحري يمثل خطوة ضرورية نحو بناء اقتصاد متنوع نسبيًا، يحد من الاختناقات الاستراتيجية الحالية.

وفي المحصلة، فإن غياب هذا التوجه لا يعكس نقصًا في الموارد، بل غيابًا في الإرادة التخطيطية بعيدة المدى.

وفي الوقت الذي تُستنزف فيه المليارات لنقل النفط نكتشف أن المصيبة الأعمق تكمن في مخرجات أكاديمية الخليج الفارسي للدراسات البحرية حيث يتخرج سنوياً ما بين 350 و400 طالب في تخصصات فنية وإدارية بحرية ينتظرون دون تعيين بينما وزارة النقل لا تحرك ساكناً وهؤلاء الشباب العاطلون الذين كان بإمكانهم تشغيل أسطول وطني أصبحوا عبئاً في بيوتهم بدلاً من أن يكونوا رأس حربة في صناعة النقل البحري. فأين التخطيط الاستراتيجي؟ ومن المسؤول عن هذا العبث الذي يحوِّل ثروة العراق النفطية إلى نقمة متعددة الأوجه، مالية بسبب أجور النقل الخيالية، وجيوسياسية بسبب رهان المنفذ الواحد، واجتماعية بسبب بطالة مئات الخريجين المتخصصين في ادارة السفن؟ إن غياب الرؤية يتحول هنا إلى جريمة بحق المستقبل حيث يبقى العراق تحت رحمة الآخرين لنقل ثروته بينما أبناؤه ينتظرون دوراً لن يأتي ما لم تتغير  الأولويات بشكل جذري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *