لقد كشفت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران عن تحول جذري في طبيعة الصراعات المعاصرة تمثل في تجاوز حدود المواجهات التقليدية إلى عمليات اغتيالات دقيقة طالت رأس الهرم في طهران بدءًا من اغتيال السيد علي الخامنئي(قدس) وصولاً إلى قادة الصف الأول وهو امتداد لمسلسل تصفية جسدي سبقه اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، ليؤكد هذا التكتيك الإسرائيلي الجديد والمؤثر أن معادلات الردع القديمة لم تعد صامدة أمام زحف التكنولوجيا المتطورة.
ففي ظل الثورة الهائلة للذكاء الاصطناعي والخوارزميات المعقدة لم تعد عمليات الاختراق مجرد جمع معلومات بل تحولت إلى قدرة مرعبة على تتبع الرموز بدقة عالية جدا مما جعل العالم يقف مذهولاً أمام حجم الاستخدامات المتطورة لهذه البرمجيات التي مكنت الخصم من الانتقام بشكل لم يسبق له مثيل وفتحت آفاقًا جديدة ومعقدة في الحروب السيبرانية والاختراقات الأمنية التي تتجاوز كل التصورات السابقة.
ولا يمكن إغفال الدور المحوري الذي يلعبه توظيف الجواسيس والعملاء ضمن هذه الوسائل التكنولوجية، حيث شكل الائتلاف بين الذكاء الاصطناعي والشبكات البشرية سلاحًا مزدوجًا مكن العدو من تنفيذ ضرباته بشكل أكثر همجية وفعالية وهو ما يفرض ضرورة إعادة هندسة المفاهيم الأمنية التقليدية.
إن هذا الواقع المستجد يتطلب دراسة شاملة واستخلاصًا عميقًا للدروس ليس فقط على مستوى الردع العسكري بل في ضرورة توظيف التقنيات الحديثة بشكل مضاد وفتح آفاق واسعة للبحث العلمي المتخصص لمواجهة تحديات الحرب السيبرانية وتداعياتها التي أفرزتها التكنولوجيا الحديثة بلا هوادة.
إن هذا التحول النوعي في هندسة الحروب يشير إلى أن القدرة على اغتيال القادة لم تعد مجرد أداة عسكرية بل أصبحت عامل ضغط جيوسياسي واستراتيجي قادر على إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية. فالمعادلة لم تعد تقاس فقط بالقوة الصاروخية أو التفوق التقليدي، بل بالدقة في استخدام المعلومات، وتوظيف الذكاء الاصطناعي لتحديد النقاط الحيوية في البنية القيادية للخصم. هذا التحول يجعل من الدول التي تتقن دمج التكنولوجيا مع استراتيجيات الاستخبارات محور قوة جديد، بينما تصبح الدول الأخرى رهينة للتقنيات الخارجية، ما يخلق طبقة جديدة من الضعف الاستراتيجي والاعتماد على الحماية السيبرانية كشرط أساسي لبقاء الدولة. ويتجاوز تأثير هذا التحول الحدود العسكرية إلى الاقتصاد والسياسة الداخلية، حيث يمكن للاغتيالات الدقيقة أن تعيد رسم أولويات الدول وتؤثر على استقرار أسواقها ومؤسساتها الحيوية.
ويبقى التحدي الأكبر متمثلاً في الكشف التقني المتخصص عند اقتناء اجهزة الاتصالات إلألكترونية الحديثة، حيث أصبح الفحص الأمني الدقيق قبل الاستخدام مسألة حياة أو موت لتجنب تحول تلك الأجهزة إلى مصائد قتل موقوتة كما حدث في حادثة أجهزة (البيجر) لحزب الله اللبناني التي راح ضحيتها العشرات من الشهداء والجرحى في مشهد دموي أوضح أن المعركة اليوم تخاض في تفاصيل صغيرة قد تحمل في طياتها أدوات هلاك جماعي.


