تحولات الصراع الجيوسياسي العالمي في الشرق الأوسط 2025 – 2026: الانعكاسات المؤثرة على الوضع العراقي

تحولات الصراع الجيوسياسي العالمي في الشرق الأوسط 2025 – 2026 الانعكاسات المؤثرة على الوضع العراقي
يعرض النص مفهوم الجيوسياسية وتطور النظام الدولي نحو التعددية القطبية، ويربط صراعات الشرق الأوسط بالتنافس الأمريكي الصيني والروسي، مع تحليل المواجهة الإيرانية الإسرائيلية، واتفاقيات أبراهام، والتحديات البنيوية في العراق ضمن سياق تحولات إقليمية عميقة...

654أولاً: معنى الجيوسياسية

الجيوسياسية أو الجيوبوليتيك: هي دراسة تأثير الجغرافيا بما فيها الموقع، المساحة، الموارد، والتضاريس على سياسات الدول وعلاقاتها الدولية، يهدف هذا العلم إلى تحليل كيفية استخدام الدول لمميزاتها الجغرافية لتعزيز قوتها، والتنافس على النفوذ والموارد، وتشكيل الاستراتيجيات المستقبلية.

ثانياً: مفاهيم أساسية في الجيوسياسية

  • الأصول: صاغ المصطلح العالم السويدي (رودلف كيلين) في أوائل القرن العشرين.
  • عوامل التأثير: تتأثر السياسة الدولية بشكل مباشر بعوامل مثل الموقع الاستراتيجي، الموارد الطبيعية، المناخ، والقوة البحرية أو البرية.
  • الجغرافيا مقابل الجيوبوليتيك: تركز الجغرافيا السياسية على الإمكانات الجغرافية المتاحة، بينما تسعى الجيوبوليتيك لتشكيل المستقبل عبر استغلال هذه العوامل.
  • نظريات رئيسية: تشمل نظرية “القلب الأرضي” (Heartland)، ونظرية “القوة البحرية” (Sea Power)، ونظرية “الجزيرة العالمية”.
  • الجيوسياسية النقدية: تحليل للأفكار والخطابات التي تشكل ممارسات القوة والدول.

ويتضح أن الجيوسياسية تعد أداة لفهم النزاعات العالمية، مثل الصراع على النفوذ في الشرق الأوسط، أو الحرب الروسية الأوكرانية، حيث تلعب الجغرافيا دوراً حاسماً في الدفاع أو التوسع.

ثالثاً: معنى الشرق الأوسط

الشرق الأوسط هو مصطلح جيوسياسي يشير إلى منطقة بلاد الشام وشبه الجزيرة العربية والأناضول (تركيا وقبرص) ومصر وإيران والعراق، اُستخدم المصطلح على نطاق واسع كبديل عن مصطلح الشرق الأدنى (المعاكس للشرق الأقصى) في أوائل القرن العشرين. يُعتبر مصطلح “الشرق الأوسط” مثارًا للجدل نظرًا لتغير تعريفاته، حيث اعتبره البعض تعبيرًا يحمل طابعًا عنصريًا أو يتسم بمركزية أوروبية. تشمل مناطقه الأغلبية العظمى من المناطق التي يشملها تعريف غرب آسيا، لكن بدون القوقاز ومتضمنًا مصر بأكملها وليس فقط شبه جزيرة سيناء.

وهي المنطقة الممتدة من أفغانستان وباكستان شرقا إلى المغرب العربي غربا ومن جزيرة سقطرى جنوبا إلى جزيرة قبرص شمالاً

رابعاً: أهمية الشرق الأوسط

يعد الشرق الأوسط مكاناً صراع جيوسياسي عالمي معقد، تتنافس فيه القوى الكبرى (الولايات المتحدة، الصين، روسيا) للسيطرة على موارد الطاقة، الممرات البحرية، والنفوذ الاستراتيجي. يتسم المشهد الحالي بتحولات نحو التعددية القطبية، وزيادة حدة المواجهات المباشرة بين إيران وإسرائيل، وتراجع دور الوكلاء، مما يعيد تشكيل النظام الأمني الإقليمي.

خامساً: أبرز ملامح الصراع الجيوسياسي في الشرق الأوسط:

  • التنافس الدولي والإقليمي: تتنافس القوى العالمية لتعزيز نفوذها، بينما تشهد المنطقة استقطاباً بين محور يقوده إيران وحلفاؤها، ومحور آخر يضم إسرائيل ودولاً عربية تسعى للتكامل الاقتصادي والأمني.
  • تغير طبيعة الصراع (إيران إسرائيل): انتقلت المواجهة بين إيران وإسرائيل من “حرب الظل” إلى مواجهة مباشرة وعنيفة، مع تبادل الضربات الصاروخية واغتيال قيادات عسكرية في عام 2024، مما يهدد استقرار المنطقة.
  • صراع الموارد والطاقة: تظل منطقة شرق البحر المتوسط والخليج العربي وحقول النفط والغاز ساحة للتنافس على الطاقة، مما يغذي نزاعات حدودية وسياسية بين دول إقليمية.
  • القوى المتوسطة وتعدد الأقطاب: تشهد المنطقة دوراً متزايداً للقوى الإقليمية المتوسطة والفواعل من غير الدول، وتحولات في التحالفات، حيث تسعى دول الخليج وتركيا لتنويع شراكاتها العابرة للأقاليم، كما تسعى الولايات المتحدة من جانب ورسيا والصين من جانب آخر إلى تدعيم وجودها في المنطقة.
  • التهديدات الأمنية المستمرة: لا تزال الصراعات في سوريا، اليمن، وليبيا قائمة، بالإضافة إلى تأثير التوترات في البحر الأحمر على أمن الطاقة العالمي، وانتشار الجماعات الإرهابية.
  • مثلاً تناول روسيا عن سوريا قاعدة حميميم البحرية الروسية الوحيدة مقابل أوكرانيا، عقد السعودية اتفاقية مع الصين طويلة الأمد.

سادساً: أنهاء الأحادية القطبية وبدأ التعددي القطبية

يشهد النظام الدولي تحولاً هيكلياً من الأحادية القطبية التي هيمنت عليها الولايات المتحدة بعد الحرب الباردة عام 1991، نحو تعددية قطبية ناشئة، تتميز بظهور قوى صاعدة (الصين، روسيا، الهند) وتراجع نسبي للنفوذ الغربي. هذا الانتقال يعكس توازناً جديداً للقوى ينهي انفراد مركز واحد بالقرار العالمي، وسط حالة انتقالية غير مستقرة.

في مؤتمر ميونغ للأمن عام 2006، صرح فلاديمير بوتين زمن الأحادية لقطبية شارف على الانتهاء، ثم جاءت مجموعة مجموعة البريكس (BRICS) هي تكتل اقتصادي وسياسي عالمي يضم قوى ناشئة (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب أفريقيا) بالإضافة إلى الدول المنضمة حديثاً (مصر، إيران، الإمارات، إثيوبيا). تأسست عام 2010 لتعزيز التعاون الاقتصادي، وتمثل حوالي 37% من الناتج العالمي و42% من سكان العالم، وتسعى لخلق نظام عالمي متعدد الأقطاب وتقليل الاعتماد على الدولار.

لقد كانت ثورات الربيع العربي عام 2010، محفزا لتدخل روسيا والصين تراجع دعم الغرب في مجلس الأمن بعد اسقاط النظام الليبي (معمر القذافي) بحلف شمال الأطلسي الناتو عام 2010، لم يكرر الروس والصينيين نفس الخطأ في سوريا لاسقاط (بشار الأسد)، لذلك ترامب اتخذ قرار عمليات عسكرية مباغته ضد سوريا قصف مطار الشعيرات عام 2017.

وأعلن المستشار الألماني (فريدريش ميرتس) عام 2026، أن العالم انتقل إلى عصر القوى العظمى، وأشار وزير الخارجية الأمريكي (ماركو روبيو) عام 2026، أن العالم القديم انتهى وأن العالم يمر بمرحلة جيوسياسية جديدة، وأن التنظيم الدولي بعد عام 1945، معرض للانهيار بفعل سياسات التدمير الشامل للأنظمة والقواعد الدولية، وإضاف المستثمر الأمريكي مؤسس شركة بريدج وتر للإستثمار (راي داليو)  أن العالم يقف على عتبة نظام جديد لم تكتب قواعده وأن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، وإنما تسبقها سنوات من الاشتباك الاقتصادي والمالي والتكنولوجي كما حدث قبل الحرب العالمية الثانية، وأن الأخطر هو الصراع الأمريكي – الصيني حول جزيرة تايوان.

وجراء العقوبات الدولية على روسيا وإيران تم الغاء نظام سويفت (SWIFT) (جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك) هو شبكة مراسلة دولية آمنة، تأسست عام 1973 ومقرها بلجيكا، وعلى خلفية أزمة القرم في عام 2014، والعقوبات الغربية التي تلت انضمام شبة الجزيرة إلى روسيا، لجأت موسكو إلى استحداث نظام تحويل الرسائل المالية الخاص بها نظام نقل الرسائل المالية الروسي “إس بي إف سي” (SBFC)، ليكون بديلا إذا تم فصلها عن نظام “سويفت” (SWIFT) الدولي لتحويل الأموال.

سابعاً: الهيمنة الإسرائيلية والصراع مع إيران

لم تحدث مواجهات مباشرة بين إيران وإسرائيل منذ عام 1979، ثم تصاعد التوتر بين البلدين وتحول إلى مواجهة مباشرة خلال الأزمة التي يشهدها الشرق الأوسط منذ هجمات 7 أكتوبر 2023، والعدوان الإسرائيلي الذي تبعها على غزة. أضعفت إسرائيل الفصائل المدعومة من إيران مثل فصائل المقاومة الفلسطينية، حماس، والجهاد الإسلامي، وحزب الله اللبناني، وبدأت بالتخطيط لتحرك مباشر ضد طهران.

انهار نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 خلال هجوم واسع شنته قوات المعارضة، قادت هيئة تحرير الشام هذا الهجوم بقيادة (أحمد الشرع).

ثم تبادل الطرفان الإسرائيلي والإيراني الضربات في أبريل وأكتوبر 2024، وبدأت الحرب الإيرانية الإسرائيلية أو حرب الاثني عشر يومًا كما يطلق عليها الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب)، هي صراع عسكري مباشر وقصير نشب بين إيران وإسرائيل في الفترة من 13 حتّى 24 من شهر يونيو 2025. بدأ بالهجوم الذي شنّته إسرائيل على إيران في أولى ساعات فجر يوم الجمعة 13 يونيو 2025، غداة انتهاء مهلة الشهرين التي حددها الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) للتوصل إلى اتفاق مع إيران حول برنامجها النووي، حيث شنّت إسرائيل هجوماً مفاجئاً بغارات جوية مكثفة على عشرات الأهداف الإيرانية بهدف وقف ما وصفته “التقدم السريع لطهران في تطوير الأسلحة النووية”، أطلقت إسرائيل على الهجوم اسم “عملية الأسد الصاعد” وقد نفّذ خلالها الجيش الإسرائيلي وجهاز الموساد ضربات استهدفت مواقعاً نووية رئيسية ومنشآت عسكرية ومناطق سكنية تواجد فيها قيادات عسكرية وعلماء نوويون إيرانيون. وابتداءً من مساء 13 يونيو، أطلقت إيران عملية “الوعد الصادق 3” ردًّا على الهجمات الإسرائيلية، استهدفت خلالها مواقع عسكرية واستخباراتية وسكنية بالصواريخ باليستية والطائرات المسيّرة.

وتضمنت العمليات اغتيال القيادات (إسماعيل هنية، وحسن نصر الله، وهاشم صفي الدين ويحيى السنوار)

ثامناً: خروج المنظومة العربية من دائرة الصراع العربي – الإسرائيلي

يعد (جاريد كوشنر) صهر الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) وكبير مستشاريه، المهندس الرئيسي لاتفاقيات أبراهام عام 2020، التي طبعت العلاقات بين إسرائيل، الإمارات، البحرين، المغرب، والسودان. ارتكز نموذجه على “السلام مقابل الاقتصاد” وتشكيل حلف استراتيجي لمواجهة إيران، متجاوزاً القضية الفلسطينية كشرط مسبق للتطبيع.

  • خلف الكواليس قاد (كوشنر) مفاوضات سرية ومكثفة مع قادة الخليج والمغرب لكسر المحظورات القديمة.
  • استخدم كوشنر خطته الاقتصادية (صفقة القرن) كأساس، حيث ركز على التعاون التجاري والأمني بين إسرائيل والدول العربية.
  • تضمنت الاتفاقيات مكاسب للدول المشاركة، مثل اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء الغربية.
  • التشغيل الاستراتيجي: هدفت الاتفاقيات إلى تشكيل تحالف إقليمي لمجابهة الطموحات الإيرانية، مما قلل من أهمية السلام مع الفلسطينيين في المنظور الإسرائيلي.

تاسعاً: المتغيرات المصاحبة للنظام العراقي

  • وضع الفصائل العراقية أمام مواجهة حقيقة ومكاشفة للأوراق والدعم والاسناد إزاء النظام الإيراني.
  • الوضع الاقتصادي الريعي الذي يعتمد على مبيعات النفط، وفقدان الزراعة والصناعة والتجارة والمياه، فضلاً عن سعر الصرف، والانفتاح التجاري، وسيطرة البنك الفدرالي الأمريكي على الأموال النفطية مقابل تهديد الولايات المتحدة برفع الدعم عن العراق .
  • الوضع الأمني واستقبال الإرهابيين من سوريا التسليح والمنظومة الجوية والعقيدة القتالية غير الموحدة.
  • فقدان الرؤية الاستراتيجية في بناء الدولة والتعددية الحزبية الفضفاضة السيد الشهيد محمد باقر الصدر يقول الديمقراطية.
  • العودة إلى مشروع الفوضى الخلاقة وزيرة الخارجية الأمريكية (كونداليزا رايس)، وزير الدفاع دونالد (دونالد رامسفيلد) 2006) و(ديك تشيني) عام 2009.
  • إعادة أحياء مشروع التفكيك الذي طرحه الإسرائيلي (أوديد ينون) عام 1982، ورئيس مجلس العلاقات الخارجية (ليزلي جليب) هو خطة أمريكية مقترحة لتقسيم العراق إلى ثلاث دويلات (كردية في الشمال، سنية في الوسط، وشيعية في الجنوب) كبديل لنموذج الدولة الموحدة، يهدف المشروع الذي نوقش بكثافة في الأوساط الغربية، إلى حل النزاعات الطائفية عبر نظام اتحادية صارم يمنح استقلالاً واسعاً لكل الأقاليم.
  • التدخل الأمريكي المباشر في بناء المنظومة السياسية من خلال المبعوثين، لا سيما (مارك سافيا)، وكان “الإطار التنسيقي” في العراق قد أعلن توافق القوى والأحزاب المنضوية تحته، على ترشيح (نوري المالكي) لتولي رئاسة الحكومة العراقية المقبلة، لكن الرئيس الأميركي (دونالد ترامب) أبدى عدم رضاه عن ترشيح رئيس المالكي لرئاسة الحكومة الجديدة، محذراً من أن “الولايات المتحدة لن تساعد العراق”، في حال عودة الأخير إلى المنصب الذي سبق أن شغله بين عامي 2006 و2014.
  • رسمياً تكليف (توم براك) بتسليم الملف العراقي بدلاً من (مارك سافايا) مبعوثاً للرئيس (دونالد ترامب).
  • الموضع الكردي والرغبة في الاستقلال والصراع المستمر، لا سيما أن أكراد سوريا في منطقة (روج آفا) خلف نهر الفرات قد طوروا من قدراتهم.
  • ضياع الهوية الوطنية وتعدد الهويات الفرعية والاثنية والقبلية المرجعية.
  • فقدان النظام السياسي القواعد الجماهيرية ذات التوجه الديني بعد عدم تدخل مرجعية النجف في القرار السياسي، إذ يقول السيد عبد المهدي الكربلائي “لسنا بديلا عن الدولة”.
  • زيادة البطالة والبطالة المقنعة والفقر، وفقدان القيمة الشرائية للدينار العراقي.

عاشراً: المشاهد المحتملة

  • استمرار فقدان الرؤية المؤسسية في بناء الدولة والخضوع للإملاءات الخارجية والتوازنات الدولية حسب العرقية والمذهبية وسط إمكانية إسقاط النظام الإيراني وإعادة الشيعة إلى المربع الأول قبل عام 1979. كونهم مكون اعتيادي لا يحظى بالأهمية كونهم أقلية في المنطقة على عكس المسيح المدعوم غربياً.
  • قطع خطوط الامداد للهلال الشيعي بين طهران وبغداد وجنوب لبنان.
  • إعادة تشكيل الموافق الوطنية تحت مظلة الوحدة وتشكيل مؤسسات التعريف الاجتماعي.
  • التفكك الذي يتوقف على الرؤية الأمريكية غير المتطابقة مع الإسرائيلي الذي يسعى للهيمنة على المنطقة، بينما تحاول أمريكا فرض سيطرتها الإقليمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *