المقدمة
مع إعلان فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، يمكن التنبؤ بأن عودته إلى البيت الأبيض قد تثير تحديات جديدة للعراق، كما هو الحال مع بعض دول المنطقة الأخرى. عودة ترامب إلى البيت الأبيض قد ترافقها مخاطر وتحديات للعراق، بما في ذلك الصراع مع الجماعات العراقية وفرض العقوبات المالية. وقد وعد ترامب بإنهاء الصراع في أوكرانيا، ورغم كل ما قاله بشأن حل مشكلات الشرق الأوسط، فإنه سيدعم النظام المحتل بشكل أكبر من أي وقت مضى، مما قد يؤدي إلى تصاعد التوترات. لا ينبغي أن ننسى أن ترامب هو من قرر نقل سفارة بلاده إلى القدس، وهو القرار الذي أثار غضب الشعوب العربية والإسلامية بشدة. ومع دخول ترامب إلى البيت الأبيض، هناك ثلاثة تحديات رئيسية، أبرزها التحدي الأمني، حيث قد يدخل في صراع مباشر مع الجماعات العراقية، ويتبنى سياسة الاغتيالات عن بُعد أو العقوبات المالية والاقتصادية، وهو ما سيكون مؤلمًا ومؤذيًا لبغداد.
عودة ترامب وتأثيرها على العراق
خلال ولايته الأولى، اتبع ترامب سياسة “أمريكا أولًا” ردًا على قلق الناخبين الأمريكيين بشأن العولمة والهجرة. ونتيجة لذلك، قامت إدارته بزيادة الحواجز التجارية، وتقييد الهجرة، وتقليص مشاركة الولايات المتحدة في المنظمات الدولية، وأعطت الأولوية للمصالح الاقتصادية والأمنية للولايات المتحدة. من خلال هذه السياسة، سعى ترامب إلى تقليل التكاليف الأمريكية في الخارج، وفي الوقت نفسه تعزيز الوضع الداخلي للبلاد. وقد كانت النتيجة تركيزًا على مسألتين رئيسيتين: أولًا، معالجة المشكلات الداخلية للولايات المتحدة، وثانيًا، مواجهة صعود الصين على الساحة العالمية. وقد تأثرت منطقة الشرق الأوسط ودول الخليج بهذه السياسات خلال ولاية ترامب الأولى.
يعتقد الخبراء والمحللون أن عودة ترامب إلى البيت الأبيض سيكون لها تأثير كبير على الشرق الأوسط، خاصة منطقة الخليج. قد تؤدي هذه العودة إلى تصاعد التوترات في الأماكن التي تشهد نزاعات وصراعات، مثل سوريا والعراق حيث يتم استهداف القواعد العسكرية الأمريكية بانتظام من قبل الجماعات المقاومة. وبالنظر إلى أن أسلوب ترامب في السياسة الخارجية يتسم بالتوجيه المباشر والمثير مقارنة بمنافسيه الديمقراطيين، يمكنه من خلال التهديدات العلنية، والابتزاز، والدبلوماسية العدوانية، تهديد الجماعات المقاومة والمناهضة لأمريكا، وهو ما شهدناه في حالات سابقة مثل اغتيال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس.
ترامب كان مناهضًا جوهريًا للسياسات التي اتبعتها الإدارات الجمهورية والديمقراطية على مدار العقدين الماضيين بشأن العراق. لم يكن يقبل الاحتلال الأمريكي للعراق في عهد جورج بوش، وكان يراه خطأً فادحًا. من وجهة نظره، أولًا، إن غزو العراق كان خطأً قاتلاً ارتكبه بوش، وثانيًا، بعد أن وقعوا في هذا المستنقع، كان الانسحاب من العراق خطأ آخر ارتكبه أوباما. خلال حملته الانتخابية الأولى عام 2016، قال ترامب في لقاء مع أنصاره في ولاية “أوهايو”: “صدام حسين لم يكن شخصًا جيدًا، ولكن ما الفرق؟ كان يقضي على الإرهابيين بأفضل طريقة. الآن أصبح العراق ‘هارفارد’ التطرف”. حتى في بعض خطاباته، وصف منافسته هيلاري كلينتون بأنها “السبب في ظهور داعش” قائلاً إن هذه الخطوة كلفتها ستة مليارات دولار.
مشكلة أخرى تتعلق بترامب والعراق هي أنه، كما شهدنا في ولايته الأولى، سعى ترامب إلى متابعة عملية تطبيع العلاقات بين دول الخليج العربي والكيان المحتل، حتى في ظل استمرار التوتر بين الصهاينة والفلسطينيين. هذا الموضوع قد يجعل الجماعات المقاومة في العراق، التي تعارض أي تطبيع مع الكيان المحتل، في مواجهة مباشرة مع ترامب والولايات المتحدة، وهو ما سيؤثر أيضًا على العلاقات السياسية الداخلية في العراق. بعبارة أخرى، أحد أهم القضايا خلال ولاية ترامب الثانية ستكون طريقة تعامل الجماعات المقاومة العراقية مع ترامب، والتي من المتوقع أن تكون مصدرًا للتوتر والتهديد.
خلال فترة ولايته الأولى، كانت وجهة نظر السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الجماعات المقاومة العراقية هي أن جماعات مثل كتائب حزب الله تعتبر “ورمًا سرطانيًا” يجب استئصاله جراحيًا. كان يُنظر إلى هذه الجماعات على أنها خبيثة، مما يعني أن الطريقة المفضلة للولايات المتحدة لمواجهتها كانت دائمًا عن طريق العنف. ومن المحتمل أن تتبنى إدارة ترامب هذه النظرة خلال ولايته الثانية.
فيما يتعلق بوجود القوات الأمريكية في العراق وإمكانية انسحابها خلال الولاية الثانية لترامب، فإن الآراء غير متوافقة. يعتقد البعض أن ترامب يعتزم سحب قواته من العراق، ولكنه لا يريد أن يظهر وكأن هذا القرار تم تحت ضغط من البرلمان والحكومة العراقية. في هذه الحالة، إذا طالبت الحكومة العراقية، وفقًا للاتفاقية الموقعة بين الطرفين عام 2014، رسميًا بانسحاب القوات الأمريكية، فإن واشنطن ستُعتبر مرة أخرى قوة محتلة إذا لم تلتزم بهذا الطلب. وفي الوقت نفسه، ما يبدو أكثر احتمالًا هو أن خلفية ترامب كـ “تاجر عقارات” جعلته ينظر إلى تكلفة بناء القواعد العسكرية الأمريكية في العراق من منظور المكاسب والخسائر المادية. وفي خضم هذه الخلافات في الرأي، فإن الأمر الأهم الذي سيحكم مسألة انسحاب القوات الأمريكية من العراق هو المصالح السياسية لترامب والفوائد التي سيجنيها من هذا القرار في حال اتخاذه.


