الفهم ضرب من تحقق الموجود

الفهم ضرب من تحقق الموجود في تفسير النصوص الدينية
يتناول المقال الفهم بوصفه تحققاً وجودياً للذات في علاقتها بالنص الديني، ويرى أن تعدد القراءات وتجدد الأسئلة شرط أساسي لاستمرار القرآن والكتب المقدسة في إنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي للحياة...

الفهم ضرب من تحقق الموجود في قراءة النصوص الدينية

الفهم ضرب من تحقق الموجود، ولذلك لا يستطيع تفسير النصوص الدينية أن يحافظ على حضوره الحي إذا لم يتأسس على تعدد الفهم وتنوعه، تبعاً لتعدد الأحوال والأزمان وتنوعها. فالمعرفة تتوقف عندما تكف عن توليد الفهم، وعن فتح المعنى على احتمالات جديدة تستجيب لتحولات الإنسان والواقع.

إن رفض التعدد والتنوع في الفهم يعني، في جوهره، افتراض أن الواقع يبقى ساكناً، وأن القرآن يظل صامتاً لا يبوح برؤية جديدة. كما يعني تعطيل قدرة النص على كشف معنى يستجيب لما تفرضه حياة الإنسان وأنماط عيشه المتغيرة.

الإنسان ليس كائناً ساكناً في التاريخ

كأن الإنسان، وفق هذا التصور الجامد، مكث منذ لحظة وجوده في الأرض كما هو؛ لا يتحرك، ولا يتحول، ولا يتغير، ولا يتطور. غير أن واقع الحياة الإنسانية يكذب ذلك بصورة واضحة، لأن الإنسان كائن تاريخي يتبدل وعيه، وتتغير أسئلته، وتتسع خبراته مع الزمن.

فالإنسان يختلف عن الحيوان في هذا المعنى. إذ يستمر الحيوان غالباً كما هو في نمط حياته مهما طال عمر النوع، ولا يخرج كثيراً عما فعله أسلافه. فطبائع النمل، مثلاً، وسلوكه في تأمين قوته، وحماية نفسه، وحفر ملاذاته، بقيت كما هي تقريباً منذ وجدت أول نملة على الأرض، وستبقى كذلك ما دامت الحياة قائمة.

أما الإنسان، فإنه لا يكرر ذاته بهذه الطريقة. فهو يضيف إلى وجوده، ويعيد تشكيل عالمه، ويبتكر أدواته، ويغير أنماط تفكيره وعيشه. ولذلك يحتاج فهم النصوص الدينية إلى أن يواكب هذا التحول، لا أن يبقى أسيراً لصيغة واحدة مغلقة.

التفسير بوصفه تحققاً أنطولوجياً للذات

أفهم تفسير القرآن، وتفسير الكتب المقدسة في مختلف الأديان، فلسفياً بوصفه تحققاً أنطولوجياً لذات تمارس الفهم. فالفهم ليس عملية ذهنية مجردة فقط، بل نمط من الوجود يتجلى فيه الموجود وينكشف، وتتحقق فيه الذات بطور وجودي جديد.

ومن هنا، لا يكشف التفسير عن معنى النص وحده، بل يكشف أيضاً عن أفق المفسر، وعن طريقة حضوره في العالم والواقع. فالمفسر لا يقف خارج النص تماماً، ولا يقرأه من فراغ، بل يدخل إليه محملاً بخبراته وأسئلته وتاريخه ولغته وموقعه الوجودي.

تكرار الفهم وتعطل الصيرورة

تكرار الفهم ذاته في كل زمان يعبر عن تكرار الموجود لذاته، كما يكشف تعطل صيرورته الوجودية. فالوجود الإنساني يتشكل باستمرار داخل سياق خبراته وأسئلته وتحولاته التاريخية، ولا يستطيع أن يبقى حياً إذا توقف عن مساءلة ذاته والعالم والنص.

كل فهم جديد يمثل ولادة جديدة للمعنى. وكل أفق تاريخي جديد يتيح إمكانات جديدة للفهم. وعندما يكف الفهم عن التعدد والتنوع، تتعطل حركة المعرفة ونموها، ويخفت أثر النص في مواكبة الواقع المتغير.

النص غني بإمكاناته الدلالية

يظل النص غنياً بإمكاناته الدلالية، غير أن استنطاق هذا الثراء يرتبط بقدرة الإنسان على تجديد أسئلته، وتوسيع أفق فهمه، واكتشاف ما يستجيب لحاجاته الروحية والأخلاقية والجمالية والوجودية في كل زمان.

ولذلك، لا يعني تجدد الفهم العبث بالنص أو تفريغه من معناه، بل يعني تحرير طاقاته الكامنة من الانغلاق. فالنص المقدس لا يفقد قداسته عندما تتعدد قراءاته الجادة، بل يكشف عن سعته وقدرته على الحضور في أزمنة مختلفة.

تكرار المعرفة يفضي إلى جمودها

إن تكرار فهم واحد لآيات الكتاب الكريم في كل زمان ينتهي إلى تكرار المعرفة. وتكرار المعرفة يفضي إلى جمودها، ثم إلى استنفاد قدرتها على إنتاج المعنى.

وعندما تتعطل المعرفة، يغدو النص أسير قراءات موروثة لا تتجدد. عندها تتسع المسافة بين دلالاته الحية والواقع المتحول. فالنص لا يتغير، غير أن أسئلة الإنسان تتغير، وأحوال المجتمعات تتبدل، والوقائع والخبرات البشرية تتنوع. لذلك تبقى الحاجة إلى تجدد الفهم حاجة معرفية وروحية في آن واحد.

القراءة المتجددة وحيوية المعنى

تستنطق القراءة المتجددة ما تختزنه الآيات من إمكانات دلالية لم تطرحها الأزمنة السابقة. كما تكشف ما يلهم الإنسان في حياته المتغيرة من معانٍ روحية وأخلاقية وجمالية.

أما الاكتفاء بتكرار ما قيل من قبل، فيحجب قدرة الكتاب الكريم على الحضور الفاعل في حياة الناس. كما يجفف منابع الإلهام الديني التي تحتاجها الحياة في مختلف الأزمنة والأحوال والوقائع. ومن ثم، لا تنفصل حيوية النص عن حيوية القارئ وقدرته على طرح الأسئلة.

أبدية القرآن وتعدد قراءاته

تتجلى أبدية معاني القرآن وعبورها الزمان والمكان في تعدد قراءاته وتنوع فهمه، وفي تعدد الدلالات التي يكتشفها القارئ انطلاقاً من أسئلته الوجودية وآفاق وعيه ومناهج فهمه.

كل قراءة جادة تفتح أفقاً جديداً للمعنى، وتكشف وجهاً لم يكن ظاهراً من قبل، من غير أن تستنفد ما يختزنه النص من طاقات دلالية متجددة. لذلك لا ديمومة لفهم يدعي أنه الفهم النهائي والأبدي للقرآن، لأن هذا الادعاء يغلق أفق المعنى، ويعطل حيوية النص، ويمنعه من مواكبة تحولات الإنسان وتبدل أحواله.

القرآن حي بتجدد الأسئلة

يظل القرآن حياً بقدر ما تتجدد قراءته، ويتجدد حضوره في الوعي بقدر ما تتجدد الأسئلة التي يوجهها الإنسان إليه. فالقراءة التي لا تسأل لا تكتشف، والفهم الذي لا يتحرك لا ينتج معنى جديداً.

ومن هنا، لا يمثل تجدد الأسئلة ضعفاً في اليقين، بل يعبر عن حيوية الإيمان والوعي. فالمؤمن لا يقرأ النص كي يكرر ما ورثه فقط، بل يقرأه كي يكتشف كيف يخاطبه النص في لحظته، وكيف يمنحه قدرة على فهم ذاته وعالمه ومصيره.

الذات بوصفها شرطاً للفهم

يتوفر مفهوم الذات على إمكان وجودي، ويوفر هذا الإمكان الفهم وعملياته المختلفة: التفكير، والتساؤل، ومكونات التساؤل، والأفهام العلمية السابقة، وشبكة العلاقات بين عناصر الفهم، وبنية الفهم، ومنطق الفهم.

يبدأ الفهم بفهمنا لذواتنا. فالذات مرآة تنكشف فيها لنفسها، وهذا الانكشاف يمثل وجودها في طور جديد داخل كل عملية فهم. وهكذا تتحقق الذات داخل عملية الفهم التي تنتجها وجودياً، لأنها تشتبك مع النص اشتباكاً وجودياً لا سطحياً.

الفهم يشاكل الذات

الفهم يشاكل الذات، لأنه ضرب من تحققها بوجود جديد. وهذه هي تجربة الفهم بوصفها صيرورة وجودية يعيشها قارئ النص الحاذق.

فكل ذات، وهي تكتشف النص، تتكشف هي أيضاً فيه. ولذلك تتغير الذات انطلاقاً من الفهم الجديد الذي تنتجه. ومن هنا يمكن الحديث عن معادلة عميقة أطرافها ثلاثة: الذات، والفهم، والتغير.

اختلاف الذوات واختلاف المنظورات

تقوم صيرورة الفهم على منظارين عميقين أنطولوجياً: اختلاف الذوات، واختلاف المنظورات. فكل ذات تدخل النص من موقعها الخاص، ومن تاريخها الداخلي، ومن أسئلتها وخبراتها وأفق انتظارها.

ولهذا لا يمكن اختزال الفهم في صيغة واحدة. فاختلاف الذوات لا يعني الفوضى، واختلاف المنظورات لا يعني ضياع المعنى، بل يكشفان أن المعنى يعيش داخل علاقة متحركة بين النص والقارئ والواقع.

تنوع فهم القرآن ومواكبة المعنى الديني

هذه الرؤية تمثل ملخصاً شديداً لتصور تنوع فهم القرآن الكريم وتفسيره، ومواكبة المعنى الديني لتنوع العصور وتعددها. ومن دون هذا التنوع، يصعب القول إن القرآن يستمر في إنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي للحياة، تبعاً لاختلاف الأحوال والأزمان والواقع.

كما تكشف هذه الرؤية الإمكانات المعرفية والإبستيمولوجية للقراء في بناء فهم متجدد لآيات القرآن، وكذلك لسائر الكتب المقدسة في الأزمنة المتوالية. فالفهم الديني لا يعيش إلا عندما يظل قادراً على الإصغاء إلى أسئلة الإنسان المتغيرة.

الإيمان لا يُفهم إلا في فضائه

يستمد كل إنسان فهمه من ذاته ووجوده الخاص، ومن أحكامه السابقة، ومن أفق انتظاره. ولذلك يتلون الفهم دائماً بفضاء الذات وخبراتها.

ولا يُفهم الإيمان إلا في فضاء الإيمان. فما لم يتحقق الإنسان بالحياة الروحية، لا يستطيع أن يقدم فهماً واضحاً لها. وكما لا يفهم طبيعة الحب إلا من تذوق الحب، ولا يفهم البهجة إلا من تشرق نفسه ابتهاجاً بالنور، لا يفهم القلق إلا من يمزقه القلق.

المفسر لا يقرأ بعين محايدة تماماً

تنكشف ذات المفسر في كيفية تلقيه للنص وتفاعله معه، وفي الطريقة التي يعيد بها بناء معانيه وفهم دلالاته. فالمفسر لا يقرأ النص بعين محايدة منفصلة عن تكوينه المعرفي وخبرته الحياتية.

تتدخل رؤيته للعالم، ومسلّماته الفكرية، وخلفياته الثقافية، وأفق انتظاره في تشكيل فهمه وتأويله. ولذلك يحمل كل تفسير بصمة صاحبه، ويعكس جانباً من شخصيته العلمية والروحية والوجدانية.

النص الواحد يلد قراءات متعددة

يرى المفسر ما تسمح له رؤيته باكتشافه، وما تتيحه أدواته المعرفية من إمكانات للفهم. لذلك قد يلد النص الواحد قراءات متعددة، لا لأن معناه متناقض، بل لأن تكوين المفسرين ومناهجهم وأسئلتهم وآفاق انتظارهم متنوع.

فالقراءة ليست استنساخاً لمعنى جاهز، بل حوار حي بين النص والقارئ والواقع. وفي هذا الحوار، يتكشف المعنى تدريجياً، كما تتكشف ذات المفسر في الوقت نفسه.

التفسير مرآة للنص والمفسر والواقع

لا يخبرنا التفسير عن النص وحده، بل يخبرنا أيضاً عن الإنسان الذي يفسره، وعن رؤيته للعالم، وموقفه من الحياة والإنسان والوجود، وعن حياته ونمط عيشه.

في كل تفسير ينعكس شيء من أحلام المفسر وأسئلته وهموم عصره وتطلعاته. ولذلك يغدو التفسير مرآة للواقع ومرآة للمفسر في آن واحد. ومن هنا، لا يمثل الفهم مجرد شرح للنص، بل يمثل تحققاً جديداً للذات في علاقتها بالنص والعالم والوجود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *