لا يُتخذ قرار الحرب في واشنطن وفق منطق أخلاقي أو قانوني، بل وفق مزيج معقّد من الحسابات السياسية، والكلفة الاستراتيجية، وتقدير ردّ الفعل المقابل. وفي حالة إيران، يصبح هذا القرار أكثر حساسية، ليس فقط بسبب طبيعة النظام الإيراني، بل بسبب طبيعة الرجل الجالس في البيت الأبيض: دونالد ترامب.
أولًا: منطق الضربة… حين يُغري الخيار العسكري
سيناريو الضربة ضد إيران لا يعني حرباً شاملة، بل ضربة محدودة ومحسوبة، تُنفّذ في توقيت ذروة ضغط، وتستهدف منشآت نوعية: نووية، صاروخية، أو مراكز للحرس الثوري. هذا النمط ينسجم مع عقلية ترامب التي تبحث عن نصر سريع، وضجيج إعلامي، وصورة رئيس حازم دون التورّط في مستنقع طويل.
لكن هذا السيناريو لا يقوم على الرغبة فقط، بل على شرط حاسم وهو هل يمكن احتواء الرد الإيراني؟
الولايات المتحدة تدرك أن إيران لن تسكت على ضربة مباشرة، لكنها قد تختار رداً غير متماثل وهو استهداف قواعد أمريكية في المنطقة، ضرب المصالح عبر الوكلاء، أو العبث بأمن الطاقة والملاحة.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي، لأن أي رد يخرج عن السيطرة قد يجرّ المنطقة إلى تصعيد متدرج لا يريده الطرفان، ولا يستطيعان إيقافه بسهولة.
ثانيًا: منطق اللاضربة… الردع بدل الانفجار
في المقابل، يقوم سيناريو اللاضربة على فكرة أبسط وأعمق وهو الردع بلا حرب.
هذا المسار يعتمد على الحشد العسكري كأداة ضغط، لا كتمهيد تلقائي للهجوم، مع تفعيل العقوبات، والضربات السيبرانية، والعمل الاستخباري، وترك باب التفاوض الخلفي مفتوحاً. ترامب، بخلاف الصورة الشائعة، ليس رئيساً مولعاً بالحروب، بل رجل صفقات يكره النزاعات المفتوحة التي تستنزف الاقتصاد وتُربك الداخل الأمريكي.
كما أن الرأي العام الأمريكي، المنهك من تجارب العراق وأفغانستان، يشكّل قيداً حقيقياً، خاصة إذا لم تكن الحرب قصيرة أو نظيفة أو مضمونة النتائج.
ثالثاً : إيران بين الردع والتوحّد الداخلي
واشنطن تراهن أحياناً على أن أي ضربة ستُضعف النظام الإيراني من الداخل، لكن التجربة التاريخية تشير إلى العكس:
التهديد الخارجي غالباً ما يوحّد الداخل الإيراني، ويمنح النظام شرعية دفاعية إضافية. وهذا ما تدركه دوائر القرار الأمريكية، حتى لو لم تعترف به علناً .
رابعًا: العامل الشخصي ..ترامب هو المعادلة
العامل الحاسم في كل ما سبق ليس الحشد العسكري، ولا الحلفاء، ولا حتى إيران وحدها، بل ترامب نفسه سؤاله المركزي ليس: هل أستطيع ضرب إيران؟ بل:
هل أستطيع ضربها والخروج فوراً بصورة المنتصر دون دفع ثمن لاحق؟
إذا كان الجواب نعم، فالضربة ممكنة.
وإذا كان الجواب لا، فسيبقى التصعيد دون انفجار.
إيران ليست هدفاً سهلاً ، وترامب ليس رئيساً تقليدياً فبين خيار الضربة وخيار اللاضربة، ترجح الكفة حتى الآن نحو إدارة التوتر بدل إشعال الحرب، لأن كلفة السيطرة على الرد الإيراني تبدو أعلى من كلفة استمرار الردع.
الحرب تظل احتمالاً قائماً ، لكنها ليست الخيار المفضل، ولا القرار الأسهل، ولا المسار الأكثر أمانًا لأي طرف.


