ميرشايمر يحذّر واشنطن: الحرب مع إيران استنزافٌ للخطأ… والصين هي المعركة الحقيقية

ميرشايمر يحذّر واشنطن الحرب مع إيران استنزافٌ للخطأ… والصين هي المعركة الحقيقية
يرى جون ميرشايمر أن انخراط الولايات المتحدة في حرب مع إيران يمثل خطأً استراتيجياً يشتت تركيزها عن الصين، ويستنزف قوتها وهيبتها الدولية، بينما يمنح بكين فرصة لتعزيز نفوذها ضمن التحولات المتسارعة نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب....

في عالم السياسة الدولية، لا تُقاس الحروب فقط بعدد الصواريخ التي تُطلق ولا بحجم الدمار الذي تخلّفه، بل تُقاس أولاً بقدرة الدول على اختيار معاركها الصحيحة.

ومن هذا المنطلق، يقدّم المفكر الأمريكي John Mearsheimer، أحد أبرز منظّري المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، قراءة مختلفة تماماً للحرب الدائرة بين United States و**Iran**؛ قراءة لا تنشغل كثيراً بمن سيربح الجولة العسكرية، بقدر ما تسأل: من ارتكب الخطأ الاستراتيجي الأكبر؟

بالنسبة لميرشايمر، الإجابة واضحة: واشنطن دخلت حرباً مع الخصم الخطأ، وفي التوقيت الخطأ، وبكلفة قد تعيد رسم توازنات القوة العالمية ضد مصالحها.

منطق ميرشايمر ينطلق من فرضية بسيطة لكنها قاسية: لا توجد قوة عظمى تستطيع خوض أكثر من صراع استنزافي في وقت واحد دون أن تدفع ثمناً استراتيجياً باهظاً. ولذلك، فإن انخراط الولايات المتحدة في مواجهة مفتوحة مع إيران لا يمثل في نظره استعراضاً للقوة، بل انحرافاً خطيراً عن أولوياتها الكبرى.

فإيران مهما بدت أقل قوة عسكرياً من أمريكا، لا تحتاج إلى “الانتصار” كي تُربك واشنطن ، يكفيها أن تصمد وأن تمنع خصمها من فرض شروطه وأن تستخدم أوراقها غير التقليدية بذكاء: من تهديد مضيق هرمز Strait of Hormuz، إلى شبكات النفوذ الإقليمي، إلى القدرة على تحويل الحرب إلى نزيف سياسي واقتصادي طويل الأمد.

في هذا النوع من الحروب يكون السؤال: من يستطيع تحمّل الاستنزاف أكثر؟

وهنا يعتقد ميرشايمر أن إيران قد تنجح في تحقيق ما يمكن وصفه بـ”الانتصار الاستراتيجي السلبي”: أن تمنع أمريكا من تحقيق أهدافها ، وأن تُظهر للعالم أن القوة الأمريكية ليست مطلقة، وأن الهيمنة الغربية لم تعد قادرة على فرض إرادتها كما كانت في العقود السابقة.

أما الخسارة الأمريكية، فلا يراها فقط في كلفة الحرب المباشرة، بل في ثلاثة ميادين أكثر خطورة.

أولها :  تآكل الهيبة الدولية ، فكل مواجهة لا تُحسم لصالح واشنطن تترك أثراً عميقاً في صورة الردع الأمريكي، وتدفع خصوماً آخرين إلى اختبار حدود هذه القوة.

ثانيها : الضغط الاقتصادي الداخلي، حيث تتحول أي اضطرابات في الطاقة أو التجارة العالمية إلى عبء سياسي داخلي يضعف الإدارة الأمريكية، مهما حاولت إظهار التماسك.

وثالثها : وهو الأهم في نظر ميرشايمر، فهو تشتيت التركيز عن الصين China.

هنا تكمن جوهر الرؤية الواقعية التي يكررها الرجل منذ سنوات: الخصم الحقيقي للولايات المتحدة ليس إيران، بل الصين.

فبينما تُستهلك الموارد العسكرية والسياسية الأمريكية في الشرق الأوسط، تواصل Xi Jinping بناء نفوذ بلاده بهدوء وثبات، اقتصادياً وتقنياً وعسكرياً، في سباق قد يحدد شكل النظام العالمي القادم.

ومن هذا المنظور، تكتسب زيارة Donald Trump إلى بكين أهمية تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي.

إذا كان ترامب قد ذهب إلى الصين وهو يعتقد أنه يفاوض من موقع قوة، فإن منطق ميرشايمر يقول العكس تماماً:

لقد ذهب وهو يحمل عبء حرب لم تُحسم، ويحتاج—ولو ضمنياً—إلى دور صيني في تهدئة الأزمة مع إيران.

وهنا تتحول المفارقة إلى مشهد رمزي بالغ الدلالة: الدولة التي أرادت تطويق الصين، تجد نفسها مضطرة إلى طلب مساعدتها؛ والدولة التي كانت تُقدَّم كمنافس استراتيجي تصبح فجأة لاعباً لا غنى عنه في إدارة أزمة أمريكية.

بعد هذه الزيارة تبدو ثلاثة سيناريوهات محتملة :

الأول : وهو الأكثر ترجيحاً، تسوية غير معلنة تضغط فيها الصين على إيران لتخفيف التصعيد، مقابل تخفيف أمريكي لبعض الضغوط، بما يمنح ترامب مخرجاً سياسياً، ويمنح بكين دور “الوسيط المسؤول”.

الثاني : فشل التفاهم وتصاعد التوتر، بما يعني دخول واشنطن في مواجهة مزدوجة مع إيران والصين، وهو السيناريو الذي يعتبره ميرشايمر وصفة مثالية للاستنزاف الاستراتيجي.

أما الثالث : وهو ما يُرجّح أن ينصح به لو كان في موقع القرار، فهو إعادة ترتيب الأولويات الأمريكية: إنهاء الحرب سريعاً، ولو من دون انتصار كامل، وإعادة توجيه كل الموارد نحو احتواء الصين بوصفها التهديد البنيوي الأكبر.

في النهاية، لا يقول ميرشايمر إن إيران ستنتصر عسكرياً، ولا إن أمريكا ستنهار. لكنه يقول شيئاً أكثر عمقاً: القوى العظمى لا تسقط فقط حين تُهزم… بل حين تُخطئ في تحديد معاركها.

وربما لهذا السبب، تبدو الحرب مع إيران—في نظره—أكثر من مجرد نزاع إقليمي؛ إنها اختبار لقدرة واشنطن على فهم العالم الجديد، حيث لم تعد القوة وحدها كافية، وحيث قد يكون أخطر ما تواجهه أمريكا .. هو سوء تقديرها لأولوياتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *