سوء التوزيع خطر يهدد التعايش السلمي للمجتمعات

سوء التوزيع خطر يهدد التعايش السلمي للمجتمعات
يحلل النص أزمتي التوزيع والتغلغل بوصفهما عائقين للتنمية السياسية، موضحًا أن التفاوت في الرواتب والخدمات يقوّض التعايش السلمي والاستقرار. ويؤكد أن استمرار هذه الاختلالات في العراق يهدد الهوية الوطنية ومسار الدولة بعد 2003....

التوزيع: يعني قدرة الدولة على تقديم المنافع والخدمات بشكل متساوي لكافة افراد الشعب بمكوناته المختلفة ويرتبط بمفهوم التوزيع مفهوم اخر وهو التغلغل ويعني مقدرة الدولة على إيصال الخدمات الى كافة انحاء الدولة دون التمييز بين منطقة ومنطقة. ويعتبر سوء التوزيع والتغلغل احدى أزمات التنمية السياسية والتي تعني هي الأخرى أي التنمية السياسية القدرة على بناء مؤسسات سياسية قوية تؤمن المشاركة السياسية الفاعلة وتحقق الاستقرار السياسي والتعايش السلمي وغالباً ما تكون الدول حديثة العهد بالاستقلال أو التي تشهد تغييرات جذرية في نظامها السياسي بسبب الثورات او الانقلابات او التدخلات الخارجية تكون بأمس الحاجة لإحداث التنمية السياسية.

أما التعايش السلمي فيعني بمختصر الكلام القدرة على العيش مع الاخر المختلف او المتطابق ايديولوجياً وانثولوجياً بشكل سلمي. وفي الغالب يؤثر سوء التوزيع والتغلغل على الاستقرار السياسي والتعايش السلمي بين مكونات المجتمع اذ يحدث شرخاً بين المكونات مما يحدث أزمات وتداعيات تؤثر على اندماج الشعب الواحد وعلى هويته الموحدة.

فكم من شعوب تفرقة ودول تجزئة بسبب سوء توزيع المنافع والخدمات وعدم تغلغلها الى كافة أجزاء الدولة فالحرب الاهلية في رواندا والجزائر في تسعينيات القرن المنصرم كانت بسبب سوء التوزيع ففي الأولى أي رواندا تم احتكار ممارسة السلطة من قبل قبيلة التوتسي وفي الثانية أي الجزائر تم اقصاء جبهة الإنقاذ الإسلامية وابعادها عن السلطة بالرغم من فوزها بالانتخابات خلال الجولة الأولى.

ومؤخراً في العراق شاهدنا احتجاجات واعتصامات لحملة الشهادات العليا على إثر قرار مجلس الوزراء المرقم 40 لسنة 2026 القاضي بحجب مخصصات الخدمة الجامعية وهو قرار يتناقض مع القانون الذي اقر لمنتسبي وزارتي التعليم العالي والتربية ومن البديهيات القانونية ان القانون يتمتع بالعلوية على القرار. ليدخل المجتمع العراقي في جدل واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي ما بين مؤيد ومعارض وما بين من يطالب بسلم وظيفي عادل تحجب من خلاله المخصصات الوظيفية للموظفين أصحاب المقام العالي الذين يعملون في رئاسة الجمهورية والوزراء والبرلمان والخارجية والنفط حتى غدا النقل لوزارة النفط حلم يرود اغلب ان لم يكن جميع موظفي باقي الوزارات. هذا الجدل والانقسام هدد التعايش السلمي ما بين فئات المجتمع المختلفة ليهدد الاستقرار السياسي للبلد عبر مظاهرات واحتجاجات على مدى ثلاثة أيام (25-26-27-1-2026) مما هدد وحدة الهوية الوطنية الجامعة الموحدة.

فلو وجد توزيع عادل للرواتب بين الموظفين غير متباين بين الوزارات والمؤسسات وفقاً لمعيار التحصيل العلمي وحذفت المخصصات الخيالية لموظفي المقام العالي التي يضرب راتبها الاسمي في ثلاث او أربع مرات وهم اساساً من اوليغارشية السلطة او من الأحزاب القريبة عليها لما شهدنا هذه المظاهر من الاحتجاجات بل الانكى من ذلك ان السلطة امست عاجزة عن تأمين الراتب الشهري في موعده المحدد. فمثلاً موظف العقد والحاصل على شهادة البكالوريوس يتقاضى مرتب شهري يبلغ 280,000 دينار بينما موظف اخر وبنفس التحصيل العلمي من موظفي المقام العالي يتقاضى ال 280,000 مضروب في عشرة اضعاف وأكثر.

أن لم نعالج ازمة التوزيع ومثالها التباين الشديد في المخصصات الممنوحة للحاصل على نفس التحصيل العلمي وكذلك ازمة التغلغل فأن التنمية السياسية في الدولة العراقية الحديثة لمرحلة ما بعد عام 2003 في خطر .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *