الصعايدة .. مكوّن جوهري في نسيج الشعب المصري

الصعايدة .. مكوّن جوهري في نسيج الشعب المصري
الصعيد ركيزة تاريخية وثقافية أساسية في بناء مصر، قدّم قادة الحضارة والتحرر والفكر، وتعرّض لتشويه إعلامي اختزله في صور نمطية. التنوع الصعيدي ثراء حضاري، وأبناؤه نموذج للكرامة والوطنية والصبر عبر العصور....

بحثتُ كثيرًا عن مدخلٍ يليق بمقام إخوتنا الصعايدة، مدخلٍ يجذب القارئ ويُنصف الحقيقة، دون مبالغة أو تزويق، فوجدت أن أصدق البدايات هي ما قيل فيهم من موقع المسؤولية والتاريخ. فقد أشاد الرئيس عبد الفتاح السيسي في أحد اللقاءات المهمة بالصعايدة قائلًا [ إخوتنا الصعايدة جزءٌ جوهريٌّ من مكونات نسيج الشعب المصري حقًا وصدقًا ]. ومن هذا الوصف الدقيق تنطلق المكانة الحقيقية لهؤلاء الكبار، لا باعتبارهم شريحة جغرافية فحسب، بل ركيزة أصيلة في بناء الدولة المصرية عبر العصور . ولم يكن حديث القيادة وحده كافيًا للدلالة على عظمة الصعيد وأهله، فالتاريخ ذاته يشهد أن هذه الأرض أنجبت عظماء تعفّرت جباههم بترابها الطاهر، وصاغوا بعرقهم ودمائهم فصولًا مشرّفة من تاريخ مصر .

ومن هنا تبرز أهمية فهم الخريطة السكانية والثقافية لمصر، إذ إن الصعيد ليس كتلة واحدة متجانسة كما صوّرته بعض الأعمال الإعلامية، بل فسيفساء ثقافية واجتماعية غنية، تختلف من قرية إلى أخرى، بل من عائلة إلى عائلة داخل المحافظة الواحدة، في اللهجة والعادات والتقاليد، مع احتفاظ الجميع بجوهر واحد قوامه الشرف والكرامة والنخوة. هذا التنوع، الذي يُفترض أن يكون مصدر ثراء، تحوّل للأسف في بعض الخطابات الإعلامية والفنية إلى مادة للتسخيف والتشويه. فقد رسمت السينما والإذاعة وبعض وسائل الإعلام، منذ بدايات القرن الماضي، صورة ذهنية قاصرة وغير واقعية عن المجتمع الصعيدي، فاختزلته في قوالب نمطية سطحية، وقدّمته وكأنه نسيج واحد جامد من الجيزة حتى أسوان، متجاهلة عمقه الثقافي والاجتماعي، وماضية في صناعة النكات المهينة والصور الكاريكاتيرية التي لا تمت للحقيقة بصلة .

والمؤلم أن هذه الظاهرة لا تقتصر على مصر وحدها، بل نجد لها نظيرًا في جنوب العراق، حيث تعرّضت عشائر وقبائل عريقة للتشويه ذاته، عبر أقلام وأعمال إعلامية وفنية، كثير منها خرج من أبناء تلك البيئات أنفسهم، فأساءوا إلى جذورهم وتاريخهم، وكرّسوا صورة مشوّهة لا تعكس حجم التضحيات ولا عمق القيم. وهو جهل مركّب، لا يقل خطورة عن الاستهداف المتعمّد .

لقد تجاهل هؤلاء عمدًا أن الصعايدة عُرفوا عبر التاريخ بالشجاعة والصدق، وبأنهم أصحاب كلمة لا تُنقض، ولا يفرّطون بحق، ولا يعتدون على حق غيرهم. هم أهل نخوة وشهامة، ورجولة لا تحتاج إلى تعريف. ورغم كل ما قيل ويقال، فإن الصعايدة المقيمين في العاصمة، أو أولئك الذين لم يغادروا أرضهم وأصالتهم، تعاملوا مع هذه الإساءة برقيٍّ لافت، مدركين أن الشجرة المثمرة وحدها تُرمى بالحجارة .

وحين نعود إلى التاريخ، ندرك أن مصر نفسها انطلقت من الصعيد. فحضارات ما قبل التاريخ وأولى التجمعات البشرية المصرية ظهرت في الصعيد، في نقادة والبداري وقنا وأسيوط . ومع بزوغ فجر التاريخ وتدوين الكتابة، ظهرت الأسرة الملكية الأولى، وكان الملك مينا، الذي وحّد القطرين، ابنًا لتلك الجغرافيا . وعندما دخلت مصر عصور الانهيار، لم ينهض بها من جديد إلا أبناء الصعيد، فكان منتوحتب الثاني من قنا، ثم أحمس من طيبة (الأقصر حاليًا)، الذي قاد ثورة طرد الهكسوس، وأسّس الدولة الحديثة، لتصبح مصر في عهده إمبراطورية كبرى. إن الصعايدة، بهذا المعنى، ليسوا مجرد جزء من التاريخ، بل هم صانعوه . فهم قادة حركات التحرر، ونموذج حي للوطنية الصادقة، يقدّمون أبناءهم للخدمة العسكرية دون تردد، ويقفون في مقدمة الصفوف دفاعًا عن الأرض والعرض. وحين يعود أبناؤهم ملفوفين بعلم مصر، يظهرون من الصبر والرضا ما يعكس عمق إيمانهم بأنهم قدّموا شهداء ورجالًا للوطن .

كما أن الصعيد كان ولا يزال منبعًا للعباقرة في الفكر والأدب والسياسة والعسكرية، من طه حسين والعقاد والأبنودي وأمل دنقل، إلى جمال عبد الناصر ورفاقه من الضباط الأحرار، وغيرهم كثير ممن يحتاج حصرهم إلى مجلدات. الصعايدة رجال، لا تهزهم الرياح، ولا تنال منهم أصوات التسفيه ودخلاء الإعلام. هم السد المنيع لمصر، وترسانتها الصلبة، بشهامتهم وشجاعتهم والمنهج الذي خطّه الآباء والأجداد . وسيبقى التاريخ، كما كان دائمًا، شاهدًا أمينًا على مآثر أبناء الصعيد، يدوّن أسماءهم في سجل الشرف، بعيدًا عن ضجيج الزيف وعابري الشهرة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *