بسم الله الرحمن الرحيم سلامٌ على أرواحٍ اختارت الخلود، فصنعت للأوطان حياة في لحظات التاريخ الفاصلة، لا يُقاس الرجال بما قالوا، بل بما ضحّوا. وحين تتقدّم الأمم خطوة إلى الأمام، فإنها تفعل ذلك على أكتاف شهدائها، أولئك الذين لم يطلبوا جزاءً ولا شكورًا، بل حملوا أرواحهم كأمانة، وقدّموها قربانًا كي تبقى الأرض واقفة، والكرامة مرفوعة، والإنسان آمنًا في بيته وذاكرته ومستقبله.
إن الحديث عن قادة النصر ليس استدعاءً للعاطفة وحدها، بل هو وقفة فلسفية أخلاقية أمام معنى الشهادة، ودورها في صناعة التاريخ. فالشهادة ليست موتًا، بل تحويلٌ جذريّ لمسار الزمن؛ لحظةٌ تتوقّف فيها حسابات الربح والخسارة، ليبدأ ميزانٌ آخر، ميزان القيم.
الشهادة كفعل حضاري في زمنٍ كادت فيه بغداد أن تُستهدف في وجودها، وكادت المحافظات أن تُمحى من خرائط الأمان، كان هناك من فهم المعركة على حقيقتها: ليست حرب سلاح فحسب، بل حرب وعي وهوية وإرادة. لقد أدرك الشهداء أن سقوط مدينة ليس حدثًا عسكريًا فقط، بل انهيارٌ للمعنى، وانكسارٌ للروح الجمعية للأمة.
من هنا، كان فعل الشهادة فعلًا حضاريًا؛ أعاد تعريف الوطن لا بوصفه جغرافيا، بل بوصفه رسالة مسؤولية. قادة النصر… حين يصبح القائد خادمًا للفكرة إن ذكرى استشهاد الحاج أبو مهدي المهندس و الحاج قاسم سليماني ليست مجرد ذكرى أسماء عظيمة، بل استحضارٌ لنموذجٍ نادر من القيادة؛ قيادةٍ لم تتمركز حول الذات، بل ذابت في المشروع، واندمجت في همّ الأمة.
لم يكن هذان القائدان يسعيان إلى مجدٍ شخصي، بل إلى حماية الإنسان قبل الأرض، وإلى تثبيت معادلة أخلاقية مفادها: إن الأمن لا يُشترى، والسيادة لا تُمنح، بل تُصان بالتضحية. وبفضل تلك التضحيات، لم تسقط بغداد بيد الإرهاب، ولم يتحوّل العراق إلى ساحةٍ بلا ذاكرة، بل بقي واقفًا، مجروحًا نعم، لكنه حيّ. فلسفة الامتنان: لماذا لا نكافئ الشهداء؟ مهما كتبنا، ومهما قُلنا، فإن ما نقدّمه للشهداء لا يساوي ذرّة من عطائهم. لأنهم لم يمنحونا جزءًا من حياتهم، بل منحوها كاملة.
إن الامتنان الحقيقي لا يكون بالخطابات وحدها، بل بـ: صيانة الحقيقة من التزييف. حماية الوطن من النسيان والانقسام. بناء دولةٍ عادلة تليق بدماء من رحلوا. الخاتمة: السلام على من علّمونا معنى النصر السلام على أرواحٍ كتبت بدمها أن العراق ليس ساحةً مستباحة، السلام على من أثبت أن النصر قد يولد من رحم الألم، السلام على الشهداء الذين أنقذوا المعنى قبل أن ينقذوا المدن.
رحم الله قادة النصر، وجعل ذكراهم بوصلة وعي للأجيال، لا تُستحضر للبكاء، بل للبناء، ولا تُقرأ كذكرى، بل كمسؤولية مستمرة. والسلام على الشهداء… يوم وُلدوا، ويوم استُشهدوا، ويوم يُبعثون أحياء.


