ملخص تنفيذي
يناقش هذا المقال تحولات النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة، مروراً بمرحلة الأحادية القطبية، وصولاً إلى لحظة 2026 التي تتسم بتداخل الأزمات وتعدد مراكز القوة دون تبلور قطب بديل مكتمل. ويحلل المقال التوترات الراهنة بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، والخلافات الأمريكية-الأوروبية، ودور الصين وروسيا، واحتمالات الحرب الكبرى مقابل سيناريو التوازن متعدد الأقطاب.
أولاً: من «النظام الدولي الجديد» إلى تآكل الأحادية
مع انهيار الاتحاد السوفيتي مطلع التسعينيات، برز مصطلح «النظام الدولي الجديد» بوصفه تعبيراً عن انتقال القيادة العالمية إلى الولايات المتحدة. في تلك المرحلة، ساد الاعتقاد بأن العالم دخل زمناً طويلاً من الأحادية القطبية.
غير أن تحليلات مبكرة – منها ما نُشر في جريدة العرب اللندنية عام 1991 – ذهبت إلى أن هذه الأحادية ليست قدراً دائماً، بل مرحلة انتقالية ستقود، عاجلاً أم آجلاً، إلى نظام متعدد الأقطاب بفعل اختلالات القوة وتنامي قوى دولية صاعدة.
اليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود، لا يبدو العالم وقد استقر على تعددية واضحة، بل يعيش حالة يمكن توصيفها بـ «سيولة الأقطاب»: قوة أمريكية ما تزال مهيمنة، لكنها تواجه أزمات شرعية وكلفة قيادة مرتفعة، في مقابل صعود قوى كبرى لا تملك بعد مشروع قيادة عالمي متكامل.
ثانياً: الأزمة الإيرانية-الأمريكية-الإسرائيلية بوصفها عقدة النظام العالمي
تشكل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر في النظام الدولي الراهن.
فبعد حرب 2025 وما رافقها من ضربات أمريكية استهدفت منشآت نووية إيرانية، خلصت تقارير استخبارية غربية إلى أن هذه الضربات أخّرت البرنامج النووي الإيراني ولم تقضِ عليه. ومع مطلع 2026، عادت التهديدات المتبادلة، ما دفع روسيا إلى إعلان رفضها العلني لأي ضربة جديدة ضد إيران، محذّرة من تداعيات إقليمية ودولية واسعة.
تكمن خطورة هذه الجبهة في كونها متعددة المستويات:
صراع عسكري مباشر أو غير مباشر.
صراع على أمن الطاقة والممرات البحرية.
ساحة اختبار لمدى قدرة الولايات المتحدة على إدارة أزمات متزامنة في أكثر من إقليم.
ثالثاً: الخلاف الأمريكي-الأوروبي وتآكل التماسك الغربي
في الوقت ذاته، تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين توتراً غير مسبوق منذ نهاية الحرب الباردة، تجلى بوضوح في أزمة غرينلاند مطلع 2026، وما رافقها من تهديدات أمريكية بفرض تعريفات جمركية على دول أوروبية، وردود فعل أوروبية تبحث عن أدوات سياسية وأمنية مضادة.
هذه الأزمة لا تعني تفكك حلف الناتو، لكنها تكشف عن تراجع الثقة الاستراتيجية داخل المعسكر الغربي، وتحول الخلافات من مستوى القيم إلى مستوى المصالح المباشرة. وهو ما يضعف القدرة الجماعية للغرب على مواجهة التحديات الخارجية، ويفتح هوامش مناورة أوسع لروسيا والصين.
رابعاً: الصين وروسيا… دعم إيران أم إعادة هندسة التوازن؟
تتجه الصين وروسيا إلى تعميق تعاونهما السياسي والعسكري مع إيران، سواء عبر المناورات المشتركة أو الدعم التكنولوجي أو المواقف الدبلوماسية. إلا أن هذا التقارب لا يرقى بعد إلى تحالف صلب بالمعنى الكلاسيكي.
فالصين، رغم دعمها السياسي لإيران، تضع في حساباتها استقرار التجارة العالمية وسلاسل الإمداد. أما روسيا، فهي توظف الورقة الإيرانية في صراعها الأوسع مع الغرب، دون أن تكون راغبة في حرب إقليمية شاملة قد ترتد عليها اقتصادياً وأمنياً.
خامساً: القطب الشمالي وأمريكا اللاتينية… ساحات قياس النفوذ
تحوّل القطب الشمالي، وخاصة غرينلاند، إلى مسرح تنافس استراتيجي بين الولايات المتحدة وروسيا، ليس فقط لأهميته العسكرية، بل لما يمثله من مستقبل للممرات البحرية والموارد الطبيعية.
وفي أمريكا اللاتينية، تتصاعد توترات النفوذ بين واشنطن وبكين في إطار اقتصادي-سياسي بالدرجة الأولى، دون أن تصل – حتى الآن – إلى تحالفات عسكرية صلبة تعيد تشكيل الخريطة الأمنية للإقليم.
سادساً: سيناريوهات المستقبل
السيناريو الأول: حرب كبرى
قد تندلع حرب واسعة إذا تزامن فشل الردع في الشرق الأوسط مع انقسام غربي حاد وتصعيد في أوروبا الشمالية. في هذه الحالة، لا يعني الأمر نهاية فورية للهيمنة الأمريكية، لكنه سيؤدي إلى تآكل عميق في شرعيتها ودورها القيادي.
السيناريو الثاني: توازن متعدد الأقطاب دون حرب شاملة
وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً حتى الآن، حيث تتقدم التعددية القطبية ببطء عبر الاقتصاد والتكنولوجيا والدبلوماسية، مع استمرار التوترات دون انفجار شامل.
خاتمة
إن ما يشهده العالم اليوم لا يمكن اختزاله في سؤال: «هل انتهت أمريكا؟»
الأدق هو القول إن مرحلة «شرطي العالم» تتآكل، دون أن يُولد بعد شرطي بديل. نحن أمام نظام عالمي في حالة مخاض:
إما أن يُدار هذا المخاض بعقلانية تفضي إلى توازن جديد،
أو أن يُترك للتصعيد، فيفتح الباب أمام حرب كبرى تكون كلفتها أكبر من قدرة أي قوة على تحملها.
المراجع (مختارة)
Reuters – تقارير حول أزمة غرينلاند والتوتر الأمريكي-الأوروبي (2026).
Reuters – تقييم الضربات الأمريكية على المنشآت النووية الإيرانية (2025).
Reuters – الموقف الروسي من التهديدات الأمريكية لإيران (2026).
U.S. Department of Defense – Military and Security Developments Involving China 2025.
World Bank – تقارير حول التحول إلى الاقتصاد العالمي متعدد الأقطاب.
دراسات مركز CSIS حول تزايد التعاون بين الصين وروسيا وإيران.


