بين الردع والانفجار

بين الردع والانفجار
يحلل الکاتب معادلة الردع الأميركي–الإيراني واحتمالات الانفجار مؤكدًا أن واشنطن غير مستعدة لكلفة حرب طويلة وأن العراق قد يتحول إلى ساحة محتملة ما لم يعتمد حيادًا سياديًا عمليًا ويحصّن جبهته الداخلية ويمنع استخدام أراضيه للصراع....

هل تتحمل أمريكا حربًا على إيران؟ وهل يصبح العراق ساحةً محتملة؟

لم يعد التوتر الأميركي–الإيراني حدثًا عابرًا، بل تحوّل إلى حالة دائمة تُدار على حافة الهاوية.

وفي هذه المنطقة الرمادية، يبرز احتمالان متلازمان لا متناقضان:

إدارة التوتر كخيار عقلاني أول، والانزلاق إلى مواجهة أوسع كخيار اضطراري مفروض بالخطأ أو التصعيد.

لكن السؤال الجوهري يبقى:

هل تستطيع الولايات المتحدة تحمّل كلفة حرب على إيران؟

وأين يقف العراق، جغرافيًا وسياديًا وعقائديًا، من هذه المعادلة المعقدة؟

أولًا: منطق الردع وإدارة التوتر

التحذيرات الإيرانية الأخيرة لا تُقرأ بوصفها إعلان حرب، بل بوصفها إعادة تعريف لحدود الاشتباك.

إيران تدرك أن أي حرب شاملة ستُشعل الإقليم بأكمله، لكنها في الوقت نفسه تبعث برسالة واضحة:

أي أرض تُستخدم ضدها لن تبقى بمنأى عن الرد.

في المقابل، تفهم واشنطن أن الحرب المفتوحة:

ستربك أسواق الطاقة

وتُنهك التحالفات

وتضغط على الداخل الأميركي سياسيًا واقتصاديًا

لذلك تعتمد الولايات المتحدة سياسة: الضغط دون مواجهة،

والردع دون حرب،

وإدارة الأزمة بدل حسمها.

وهو السيناريو المفضل للطرفين حتى اللحظة.

ثانيًا: منطق الانفجار المحتمل

غير أن إدارة التوتر ليست ضمانة دائمة.

خطأ في الحسابات، ضربة غير محسوبة، أو توظيف داخلي للأزمة، قد يدفع الأمور نحو التصعيد.

هنا تظهر المعضلة الأميركية بوضوح:

الاقتصاد الأميركي يعاني من تضخم وديون مرتفعة

أي صدمة نفطية ستنعكس مباشرة على المواطن الأميركي

العالم لم يعد أحادي القطب، وأي حرب جديدة ستُسرّع إعادة تشكيل النظام الدولي

أي مواجهة مع إيران لن تكون ضربة خاطفة، بل استنزافًا طويل الأمد لا يضمن نصرًا سياسيًا واضحًا.

ثالثًا: إيران… ليست عراق 2003

من أكبر الأخطاء الستراتيجية إسقاط تجارب الماضي على واقع مختلف.

إيران دولة ذات:

عمق جغرافي وبشري

منظومة رد غير تقليدية

شبكة حلفاء إقليميين

قدرة على إدارة حرب استنزاف

الحرب معها لن تكون نظيفة ولا محدودة، بل متعددة الساحات.

رابعًا: هل العراق ضمن الحسابات؟

الجواب الواقعي: نعم، ولكن دون استهداف العراق كدولة.

العراق يُحسب ضمن مسرح الاحتمالات للأسباب الآتية:

وجود قواعد ومصالح أميركية

موقع جغرافي ملاصق لإيران

تشابك أمني وسياسي مع واشنطن

هشاشة نسبية في القرار السيادي

لكن يجب التفريق بين:

استهداف العراق بوصفه دولة (وهو غير مرجّح)

وبين اعتبار بعض المواقع جزءًا من مسرح الرد في حال اندلاع الحرب

إيران لا مصلحة لها في تدمير العراق،

لكنها في حال المواجهة لن تفصل بين أرض تُستخدم ضدها وأرض تقف على الحياد الشكلي.

خامسًا: المعضلة العراقية وخيار الدولة

العراق يقف في موقع بالغ الحساسية:

لا يريد أن يكون ساحة حرب

ولا يملك ترف الانحياز الصريح

وفيه أغلبية عقائدية لا تقبل التفريط بهويتها

ومن هنا، يصبح التحدي الحقيقي هو:

كيف يحمي العراق نفسه دون أن يتنازل عن عقيدته أو سيادته؟

سادسًا: توصيات مباشرة للحكومة العراقية

حياد سيادي لا يمس عقيدة الأغلبية**

إن الخيار الأمثل أمام الحكومة العراقية لا يكمن في الانحياز لمحور ضد آخر، بل في تحصين الدولة ومنع استخدام الأرض العراقية منصةً للصراع، دون التفريط بالثوابت العقدية والوجدانية للأغلبية.

أولًا، على الحكومة تثبيت مفهوم الحياد السيادي لا الحياد القيمي؛

حياد في القرار العسكري، لا حياد في الضمير أو الذاكرة أو الانتماء.

ثانيًا، تنظيم الوجود الأجنبي لا استعداءه ولا إطلاقه؛

بحصره في أطر تدريبية وفنية، ومنع استخدام الأراضي العراقية لأي عمل هجومي ضد دول الجوار، حمايةً للسيادة ومنعًا لتحويل العراق إلى هدف.

ثالثًا، تفعيل الدبلوماسية الوقائية؛

ليكون العراق جسر تواصل لا ساحة صدام، مستفيدًا من خصوصيته الدينية والجغرافية دون أن يتحول إلى تابع لأي طرف.

رابعًا، تحصين الجبهة الداخلية؛

باحترام دور المرجعية الدينية، ومنع الاستقطاب الطائفي، وتحييد السلاح عن الصراع السياسي، فالوحدة الداخلية هي خط الدفاع الأول.

خامسًا، اعتماد خطاب وطني واضح؛

يؤكد أن العراق ليس منصة حرب، ولا تابعًا لأحد،

وأن عقيدة الأغلبية ليست محل مساومة سياسية أو تفاوض خارجي.

الخلاصة الستراتيجية

الولايات المتحدة قادرة على التهديد،

لكنها غير مستعدة لتحمّل كلفة حرب طويلة.

وإيران غير راغبة بالحرب،

لكنها مستعدة لرفع كلفة أي هجوم إلى أقصى حد.

أما العراق،

فليس الهدف…

لكنه قد يصبح الساحة إن لم يُغلق أبواب التصعيد عمليًا لا شعاراتيًا.

ولهذا، سيبقى المشهد – على الأرجح –

بين ردع متبادل،

وتوتر محسوب،

وحرب مؤجلة… لا ملغاة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *