أولًا: ما هو السلاح المنفلت؟ ومن يعرّفه؟
قبل تحويل “نزع السلاح” إلى شعار سياسي عابر، لا بد من سؤالٍ تأسيسي: ما هو تعريف السلاح المنفلت؟
هل هو كل سلاح خارج مؤسسات الدولة رسميًا؟ أم كل سلاح يُستخدم ضد المواطنين ويمسّ أمنهم اليومي؟ أم أنه توصيف انتقائي يُستدعى عند الحاجة السياسية فقط؟
الأخطر أن الخطاب السائد يتعمد تضييق زاوية الاتهام على جهات بعينها—غالبًا شيعية أو محسوبة على البيئة الشيعية—بينما يتم تجاهل جهات أخرى تملك السلاح نفسه وتتحرك خارجه، دون أن تُدرج ضمن “قائمة الإدانة”. هذا الانتقائية لا تنتج أمنًا، بل تعمّق الانقسام وتحوّل السلاح من مشكلة أمنية إلى أداة تصفية سياسية.
ثانيًا: السلاح الذي لا يُسمّى
لماذا لا يُفتح ملف السلاح الأمريكي داخل العراق؟
ولماذا يُستثنى السلاح الموجود داخل السفارة الأمريكية في بغداد—في قلب العاصمة—من أي نقاش جدي حول “السلاح خارج سلطة الدولة”؟
السؤال الأكثر حساسية:
لماذا لم يتطرق السيد عمار الحكيم إلى هذا الملف في خطابه بيوم الشهيد؟
هل بات تعريف “السيادة” مجتزأً إلى الحد الذي يرى سلاحًا ويتجاهل آخر؟ أم أن السقف السياسي المسموح لا يحتمل فتح هذا الباب؟
ثالثًا: هل نزع السلاح هو الحل السحري؟
لنفترض—جدلًا—أن عملية نزع السلاح قد تمت.
هل ستُحل تلقائيًا:
- الأزمة الاقتصادية المتراكمة؟
- البطالة المقنّعة؟
- الديون المتصاعدة؟
- أزمة المياه وسدود تركيا وقطع الحصص المائية؟
- فشل الإدارة وتآكل الثقة بالدولة؟
الإجابة الواقعية: لا.
السلاح ليس سوى عرض ضمن منظومة أعمق من الإخفاقات البنيوية. اختزال أزمة العراق في بند واحد هو هروب من مواجهة الأسباب الحقيقية.
رابعًا: أين الخطة؟
كل من يتحدث عن نزع السلاح مطالب بسؤال بسيط: أين الخطة؟
- من ينفذ؟
- على أي أساس قانوني؟
- بضمانات أي توازنات؟
- وبأي بدائل أمنية واقتصادية واجتماعية؟
الحديث دون خطة ليس رؤية، بل خطاب استهلاكي لا يمتلك أدوات التنفيذ ولا حاضنة اجتماعية ولا وزنًا سياسيًا.
خامسًا: خطاب بلا تأثير… ورسائل للخارج
الحقيقة التي يتجاهلها كثيرون أن معظم من يطلقون هذه الدعوات لا يملكون تأثيرًا اجتماعيًا ولا سياسيًا يتيح لهم فرض رؤيتهم.
بعضهم لا يخاطب الداخل أصلًا، بل يحاول إرسال رسائل طمأنة للخارج—وتحديدًا للأمريكيين—بأنه “خارج معادلة السلاح”، حتى لو كان الواقع يكذّب ذلك.
والمفارقة الأخطر:
أن عددًا ممن يتصدرون خطاب “نزع السلاح” وصلوا إلى مواقعهم عبر السلاح نفسه، ولكن بعناوين مختلفة وتسميات متبدلة.
خلاصة استراتيجية
نزع السلاح، بلا تعريف جامع، وبلا شمولية، وبلا خطة، وبلا شجاعة في تسمية كل أنواع السلاح، ليس حلًا بل أداة صراع سياسي.
العراق لا يحتاج شعارات جديدة، بل يحتاج مشروع دولة متكامل: سيادة غير انتقائية، قانون يُطبق على الجميع، واقتصاد يُدار بعقل لا بخطابات.
أما غير ذلك… فهو دوران في حلقة مفرغة، باسم الدولة، وضد الدولة.


