مقال رأي عميق عن سنوات 2026–2030
العالم لا ينهار بضربة واحدة، بل يتفكك بصمت. ما نعيشه ليس انتقالًا سلسًا من نظام دولي إلى آخر، بل انسحاب بطيء للغرب من موقع القيادة، يقابله تقدّم محسوب لقوى لا ترفع الرايات، بل ترسم الطرق. من لا يرى السكك والموانئ والممرات اليوم، سيصحو غدًا على واقع صيغ من خلف ظهره.
الغرب يتآكل… والفراغ لا ينتظر
أزمة الاتحاد الأوروبي سيادية قبل أن تكون اقتصادية؛ اتحاد بلا قرار ملزم، وكتلة نقدية بلا دولة. أما الولايات المتحدة فتغرق في انقسام وجودي يُضعف المركز ويقوّي الأطراف. النتيجة واحدة: قيادة بلا قدرة إلزام.
وهنا تبدأ القاعدة الذهبية للعقد القادم:
حين ينسحب القائد، لا تُعلن الهيمنة… بل تُملأ الفجوة.
الصين وروسيا: لا حرب… بل مسارات
الصين لا تُسقط النظام العالمي، بل تورّثه لنفسها وهو يتآكل: اقتصاد بدل الجيوش، سلاسل إمداد بدل القواعد. و””روسيا“”لا تحتاج إسقاط أوروبا، يكفيها إبقاؤها مشلولة القرار عبر الطاقة والانقسام. الخطر الحقيقي ليس في كل قوة منفردة، بل في التقاء المصالح على الجغرافيا.
إيران: حين تفهم دولةٌ لحظة التحوّل
إيران فهمت مبكرًا أن العقوبات تُخنق الأسواق، لا الجغرافيا. لذلك انتقلت من منطق الردّ إلى منطق البناء الصامت: ممرات، سكك، منافذ. دولة تُحاصر سياسيًا، لكنها تفك الحصار بالممرات.
من قزوين إلى الهند… السكة التي تقلب الطاولة
الربط بين بحر قزوين و “المحيط الهندي ” ليس مشروع نقل؛ إنه ضربة استراتيجية لهيمنة بحرية قامت عليها قوة الغرب قرونًا. هذا المسار:
- يتجاوز الممرات الخاضعة للرقابة الغربية
- يربط آسيا الوسطى بالمياه الدافئة بلا وسيط
- يحوّل العقوبات إلى تكلفة يمكن إدارتها
السكك هنا أخطر من الصواريخ، لأنها تغيّر قواعد اللعبة دون ضجيج.
بكين – طهران – بغداد: خط يعيد تعريف الشرق
الأخطر من أي تحالف عسكري هو خط المصالح الباردة:
بكين → طهران → بغداد → الخليج/المتوسط
هذا المسار لا يطلب ولاءً أيديولوجيًا، بل استقرارًا وظيفيًا. وحين تمرّ الخطوط من بغداد، تتحول العاصمة من ساحة أزمات إلى مفصل قرار… إن أُحسن الاختيار.
العراق: إمّا لاعب… أو ممرّ يُستنزف
يقف العراق عند لحظة لا تحتمل الرمادية. الجغرافيا تضعه في القلب: عقدة نقل، مخزن طاقة، بوابة لا يمكن تجاوزها. لكن الجغرافيا نعمة لمن يحترف اللعبة، ونقمة لمن يُدار بالإنابة.
خياران لا ثالث لهما:
- دولة ساحة: تعطيل، صراعات بالوكالة، استنزاف بلا نهاية.
- دولة لاعب: توازن ذكي، استثمار للموقع، تفاوض بارد بلا تبعية.
العراق لا يحتاج شعارات؛ يحتاج عقل دولة:
- توازن لا ارتهان
- صمت تكتيكي حين يلزم
- تفاوض حين تكون الكلفة أقل من الرفض
- ورفض حين يصبح السكوت بيعًا للمستقبل
النتيجة
العقد القادم لا يحكمه الخطاب، بل الخرائط التي تُرسم على الأرض.
من لا يقرأ الممرات اليوم، سيُقرأ عليه القرار غدًا.
العالم يتفكك… نعم.
لكن آخرين يعيدون تركيبه على مقاس الطرق.
والعراق إمّا أن يكون مفصلًا يُحسب له الحساب
أو ممرًا يُستهلَك ثم يُنسى.
هذا ليس تحذيرًا إعلاميًا… بل إنذار جغرافي .


