على ضوء ما تشهده المنطقة من تحدياتٍ متسارعة وتصعيدٍ متكرر، ولا سيما التهديدات الأميركية التي تُوجَّه إلى إيران بين الفينة والأخرى، يجد العراق نفسه في قلب معادلة إقليمية معقّدة، بحكم موقعه الجغرافي الحساس، وتشابك مصالحه السياسية والاقتصادية، وتراكم أزماته الداخلية التي لم تُحلّ جذرياً بعد. وفي مثل هذا الظرف الدقيق، لا يعود الترف السياسي أو الخطاب الانفعالي خياراً مقبولاً، بل تصبح الحكمة السياسية، والوعي الوطني، وتغليب المصلحة العليا، أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
إن أخطر ما يمكن أن يواجه العراق اليوم لا يكمن فقط في تطوّر الأحداث من حوله، ولا في احتمالات توسّع رقعة الصراع الإقليمي، بل في قابلية الداخل العراقي للتأثر بتلك المتغيرات والانزلاق إلى مسارات تخدم أجندات خارجية أكثر مما تخدم مصلحة الدولة والشعب . فالتجارب التاريخية تؤكد أن الدول لا تُستباح من الخارج إلا حين تتصدّع من الداخل، ولا تُفرض عليها الإرادات إلا عندما يضعف نسيجها الوطني، وتغيب وحدتها، وتتقدّم الانقسامات على حساب الهوية الجامعة .
من هنا، فإن التأكيد على وحدة العراق، أرضاً وشعباً ومصيراً، لم يعد مجرّد شعار يُرفع في الخطب أو مناسبة تُستحضر عند الأزمات، بل بات ضرورة وجودية تتقدّم على كل الخلافات السياسية، والانتماءات الفرعية، والاصطفافات الضيّقة. وحدة العراق اليوم ليست مطلباً أخلاقياً فحسب، بل شرطاً أساسياً لبقائه آمناً ومستقراً، وقادراً على تحصين نفسه من تداعيات الصراعات التي تعصف بالمنطقة .
إن التكاتف والتآزر ووحدة الصف تمثّل خط الدفاع الأول عن سيادة الدولة وهيبتها . فحين يفكّر العراقيون بالعراق أولاً، ويقدّمون مصلحة شعبهم على أي اعتبار آخر، تتراجع احتمالات الزج بالبلاد في صراعات لا ناقة لها فيها ولا جمل، وتضعف قدرة الأطراف الخارجية على استثمار التناقضات الداخلية لتحقيق مكاسب على حساب الاستقرار الوطني. فالعراق ليس ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية، ولا جسراً لعبور الأزمات الإقليمية، بل دولة ذات سيادة، لها حقها المشروع في الاستقرار والتنمية، وصناعة قرارها الوطني بعيداً عن الضغوط والإملاءات .
لقد أثبتت التجارب القريبة والبعيدة أن الانقسام الداخلي هو الثغرة الأخطر التي ينفذ منها التدخل الخارجي، وأن ضعف الجبهة الداخلية يغري الآخرين بالتدخل، سواء كان ذلك سياسياً أو أمنياً أو اقتصادياً. في المقابل، أثبتت التجارب ذاتها أن الوحدة الوطنية تُغلق الأبواب بإحكام، وتحوّل الدولة إلى كيان صلب يصعب اختراقه . ومتى ما كان العراقيون يداً واحدة، متفقين على ثوابتهم الوطنية، ومتمسكين بخيار الدولة، فلن يستطيع أي طرف، مهما بلغت قوته، أن يفرض إرادته على شعبٍ موحّد أو أن يجرّه إلى مسارات لا تخدم مصالحه .
وفي ظل التصعيد الإقليمي الحالي، تبرز الحاجة إلى سياسة عراقية متوازنة، تقوم على مبدأ النأي بالنفس عن الصراعات، دون التفريط بالسيادة أو الانحياز الأعمى لهذا الطرف أو ذاك. سياسة تُدرك حساسية المرحلة، وتحسن إدارة العلاقات الخارجية بما يحفظ مصالح العراق، ويجنّبه أن يكون ساحة صدام أو ورقة ضغط في نزاعات الآخرين . وهذا لا يتحقق إلا بوجود موقف داخلي موحّد، يوفّر الغطاء الوطني لأي قرار سيادي، ويمنح الدولة القدرة على المناورة السياسية بعقلانية وثبات .
إن المرحلة الراهنة تتطلّب خطاباً وطنياً عاقلاً، يبتعد عن لغة التحريض والتخوين، ويعلو فوق الانفعالات الآنية، لصالح تعزيز الثقة بين مكوّنات المجتمع، وترسيخ مفهوم الشراكة الوطنية الحقيقية . كما تتطلّب دعماً واضحاً لمؤسسات الدولة، واحترام دورها، والعمل على تقويتها، بوصفها الإطار الجامع الذي يحمي الجميع دون استثناء . فالعراق القوي لا يُبنى بالاستقواء بالخارج، ولا بتغليب المصالح الفئوية، بل بتماسك الداخل، ووحدة القرار، ووضوح الرؤية .
ولا يمكن إغفال أن وحدة الصف الوطني لا تعني إلغاء الاختلاف أو مصادرة التنوّع، بل تعني إدارة هذا التنوّع ضمن إطار الدولة، وتحويله من عامل صراع إلى مصدر غنى وقوة. فالعراق، بتعدديته القومية والدينية والمذهبية، يمتلك مقوّمات غنى إنساني وثقافي كبيرة، إذا ما أُحسن توظيفها ضمن مشروع وطني جامع، بعيداً عن منطق الإقصاء والاستقطاب .
وفي النهاية، يبقى العراق أكبر من كل الأزمات، وأقوى من كل التهديدات، متى ما آمن أبناؤه بأن وحدتهم هي السور الذي لا يُخترق، وأن اختلافهم لا يفسد للانتماء الوطني قضية، وأن يدهم إذا اجتمعت، استحال على أي قوة، مهما بلغت، أن تكسرها أو تنال من إرادتهم. ففي زمن العواصف الإقليمية، لا يملك العراق ترف التشتّت، بل يملك خياراً واحداً لا بديل عنه .. وحدة الداخل، وصون الدولة، وحماية مستقبل شعبه .


