من خلال متابعتنا للجلسة الأولى للبرلمان العراقي، بدا واضحاً أن الأنظار لم تكن متجهة فقط إلى مجريات الانتخاب ولا إلى الإجراءات الدستورية التي يفترض أن تُعد خطوة نحو تنظيم المرحلة السياسية المقبلة، بل كانت مركزة لدى شريحة واسعة من المتابعين على تفاصيل جانبية تحولت سريعًا إلى مادة للتندر والسخرية . البعض راح يقتنص الصور، يبالغ في تأويل الحركات والمواقف، ويعيد نشر لقطات معينة ليصنع منها حكايات ساخرة؛ وآخرون فتحوا دفاتر الماضي واستحضروا تاريخ بعض الشخصيات والنواب، بهدف التذكير بأخطاء سابقة أو إخفاقات أو مواقف قديمة، وكأن الغاية ليست التحليل السياسي المسؤول، بل تعزيز مناخ الإحباط واليأس، وصناعة صورة ذهنية سوداء عن كل ما يرتبط بالمشهد السياسي دون استثناء .
غير أن الحقيقة التي ينبغي الاعتراف بها بصراحة هي أننا كشعب من انتخب هؤلاء النواب بشكل مباشر أو غير مباشر، وهم اليوم ممثلو إرادة ناخبين، شاء البعض أم أبى . وبالتالي، فإن التعامل معهم منذ اللحظة الأولى بمنطق التسقيط الشامل، وإطلاق الأحكام المسبقة الجاهزة، ونزع أي فرصة لإثبات الجدية أو تقديم أداء مختلف، لا يعكس وعياً سياسياً بقدر ما يعكس حالة نفسية عامة تشكلت بفعل تجارب سابقة مؤلمة، لكن لا ينبغي أن تتحول إلى قناعة مطلقة لا تقبل المراجعة . النقد ضرورة في أي عملية ديمقراطية، وهو الضمان الحقيقي لمنع الانحراف والتقصير. لكن النقد البنّاء ليس هو السخرية، ولا هو نشر الإحباط، ولا هو تكريس النظرة السوداوية وكأن البلاد محكومة بالقدر على الفشل .
النقد المسؤول هو الذي يراقب الأداء، يحاسب بالأدلة، يقوّم بالمعايير، يطالب بالإنجاز، ويضغط من أجل الإصلاح، دون أن يسقط المجتمع في فخ اليأس الكامل والانفصال النفسي عن مؤسساته . فالأوطان لا تُبنى بمطرقة الهدم وحدها، بل تحتاج أيضًا إلى روح أمل مسؤولة تمنح فرصة وتترقب ثم تحاسب بوعي .
إن العراق يقف اليوم أمام ظرف سياسي حساس وتحديات متشابكة: تحديات اقتصادية، وخدمية، وأمنية، وسياسية، فضلًا عن تحديات الثقة بين الدولة والمواطن . هذا الظرف لا يحتمل المزيد من التشكيك الأعمى ولا المزيد من تعميق الهوة النفسية بين الشعب وممثليه . بل نحن بحاجة إلى وعي جمعي قادر على التمييز بين الرقابة المشروعة وبين جلد الذات المستمر، بين فضح الخطأ حين يقع وبين صناعة صورة ظلامية مسبقة تمنع أي محاولة إصلاحية من أن تولد أصلاً . منح البرلمان الجديد فرصة واقعية ليس مجاملة سياسية، ولا سذاجة، ولا تفاؤلًا عاطفيًا.
بل هو موقف وطني عقلاني يمنح الدولة مساحة للحركة، وللمؤسسات فرصة لتصحيح المسار إن أرادت ذلك. فرصة لا تعني التفويض المطلق ولا تعني إسكات الصوت الشعبي، بل تعني متابعة الأداء بعين يقظة لكن غير متحاملة، وبقلب يأمل لكنه لا يصدق كل شيء بسهولة، وبعقل يدعم حين يرى نجاحًا، ويحاسب بشدة حين يرى فشلاً . إن إشكالية نظرتنا للبرلمان ليست سياسية فقط، بل نفسية وثقافية أيضًا. فجزء من المجتمع يعيش حالة فقدان ثقة طويلة الأمد بسبب تراكم تجارب الإخفاق، وهذا مفهوم ومبرر إلى حد كبير. لكن الخطير هو أن تتحول هذه الحالة إلى قناعة ثابتة تمنع أي إمكانية للأمل في التطور، وتحوّل كل حدث سياسي جديد إلى مجرد نسخة باهتة من الماضي .
هنا يصبح المجتمع نفسه جزءًا من المشكلة حين يتعامل مع كل تجربة جديدة بعين الهزيمة قبل أن تبدأ . إن البرلمان الحالي، مثل أي مؤسسة بشرية، ليس مثالياً . بين أعضائه من يمتلك الكفاءة، ومن يمتلك النية، ومن ربما تحكمه الحسابات السياسية الضيقة. لكن الحكم العادل لا يكون بالنوايا ولا بالصور ولا بالماضي وحده، وإنما بالفعل والنتيجة. ولذا فالأجدر بنا أن ننتظر العمل، نراقب القوانين التي ستقر، والمواقف التي ستُتخذ، والقرارات التي ستصدر، ثم نقرر: هل كانوا على مستوى الثقة؟ أم لم يكونوا كذلك؟ وحينها ستكون المحاسبة أقوى، وأكثر أخلاقية، وأكثر تأثيرًا، لأنها مبنية على واقع لا على افتراضات . بين اليأس المطلق والأمل المسؤول، هناك مساحة واسعة اسمها العقلانية الوطنية . عقلانية تقول: نعرف حجم التحديات، وندرك خطورة الفشل، لكننا لن نساهم في صناعة الفشل نفسياً قبل أن يقع سياسيًا.
سنراقب، سننتقد، سنكتب، سنعترض، لكننا في الوقت نفسه سنمنح فرصة، ولو محدودة، علّ العراق يشهد ما يليق به من أداء أفضل ومسار أرقى . إن العراق أكبر من الأشخاص، وأكبر من دورة برلمانية واحدة. لكنه يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى وعي مجتمعي لا يسقط في التطرفين .. لا يبرر كل شيء ولا يهدم كل شيء. وإذا كان البرلمان قد بدأ رحلة جديدة، فإن مسؤوليتنا كمواطنين ومثقفين وإعلاميين ليست في السخرية منه، بل في دفعه نحو أداء أفضل، وتشجيع الصواب حين يقع، وإدانة الخطأ حين يحدث، بروح مسؤولية لا بروح شماتة . قد نرى خيرًا إن أحسنوا العمل، وقد نملك كامل الحق في المحاسبة إن أخفقوا . أما الآن، فالأجدر أن نمنح الفرصة .. لأن العراق يستحق أن نمنح الأمل فرصة .


