أعلنت أمريكا التوصل إلى اتفاق أمني ثلاثي يضمها هي وإسرائيل والنظام السوري الجديد الذي يتبنى المنهج الإسلامي التكفيري، وتشكيل غرفة عمليات مشتركة للتنسيق الأمني والاستخباري وذلك في الذكرى السنوية الأولى لإسقاط النظام السوري المؤيد للمقاومة، وتكذيباً للبشرى التي تنبأ بها أحد قادة حماس، والتي اعتبر فيها تحرير سوريا بشرى لتحرير فلسطين وغزة. فكانت النتيجة ، تحرير سوريا من فصائل وقوى المقاومة الفلسطينية، واستبدالها بإسرائيل وأمريكا!
إن أخطر نتائج هذا الاتفاق أنه يُلقي بسوريا أمنياً واقتصادياً وثقافياً في منظومة التطبيع والاستسلام والاحتلال الكلي، ويهدف إلى شطب الهوية السورية العربية الإسلامية ويتجلى ذلك في الإسلام السياسي “السُنّي” بأجنحته الثلاثة(المؤسسات الدينية الرسمية، والإخوان المسلمون، والجماعات التكفيرية) فالمؤسسات الدينية أفتت بجواز السلم مع إسرائيل وحرّمت العمليات العسكرية ضدها، والإخوان المسلمون التزموا باتفاقية “كامب ديفيد” بعد استلامهم الحكم في مصر، حيث خاطب رئيسهم محمد مرسي الرئيس الإسرائيلي “شمعون بيريز” بـ “صديقي العزيز العظيم”. أما جبهة النصرة بقيادة “الجولاني”، فقد وقعت الإتفاق الأمني مع إسرائيل وأعلنت تحالفها مع أمريكا وإسرائيل ضد المقاومة، وأطاعوا بذلك أمريكا وحكامها وأمراءها وشيوخها الذين أجمعوا على أن إسرائيل “شقيق وصديق”، ولم يطيعوا القرآن الذي حذّرهم من اليهود (ولتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود).
إن الاتفاق الأمني الثلاثي (السوري_الإسرائيلي_الأمريكي) قد حقّق ثلاثة أمور استراتيجية:
– “تهويد” القرار السوري، جاعلاً سوريا محمية أمريكية-إسرائيلية وقاعدة انطلاق لمشروع إسرائيل الكبرى والشرق الأوسط الأمريكي.
– حصار المقاومة في لبنان، بين فكي كماشة “إسرائيلية_تكفيرية”. بالتزامن مع الضغط الداخلي الذي تمارسه حكومة “الهاتف الذكي” وأطراف “جبهة إسناد إسرائيل”،
– تهديد الأمن العراقي والحشد الشعبي، لا سيما من خلال الاتفاق الثلاثي ، مضافًا إليهم “داعش” التي تحتفظ بها أمريكا في العراق وسوريا مع إقليم كردستان العراقي،مما يجعل إسقاط العراق وتحويله إلى نسخة سورية ثانية أمراً قابلاً للتحقيق وبفترة زمنية قصيرة، خاصة إذا بقيت الأطراف الشيعية العراقية على خلافها وتناقضاتها وسلوكياتها التي أبعدتها عن الناس الذين لم يروا فيها بديلاً مثالياً وإيجابياً عن النظام السابق. ويمكن ان الإدارة الأمريكية تنتظر وفاة “المرجع السيستاني”،(رعاه الله ) الذي يمثل الضمانة الأخيرة لوحدة العراق ووحدة الصف الشيعي، للإنقضاض على العراق وإسقاطه ضمن مشروع “إسرائيل الكبرى” و “الشرق الأوسط الأمريكي الجديد”.
إن التنسيق الأمني الإسرائيلي_الأمريكي_السوري سيفسح المجال أمام التواجد العسكري والأمني الإسرائيلي على بوابة المصنع وعلى حدود لبنان الشرقية. وستكون نقاط ما يسمى الجيش السوري في الهرمل أكثر خطورة من النقاط الإسرائيلية في الجنوب، وستدير إسرائيل الملفات الأمنية السورية-اللبنانية. وعلى اللبنانيين أن يتعاملوا في زياراتهم إلى سوريا على أنهم يزورون دولة يشرف عليها الأمن الإسرائيلي_والأمريكي والتكفيري المكلف بتنفيذ المهام الموكلة إليه.
لم يبقَ من دول الطوق العربية المواجهة لإسرائيل دون اتفاقيات تطبيع واستسلام وتنسيق أمني، بما فيهم السلطة الفلسطينية، إلا لبنان بفضل المقاومة التي لا تزال تواجه وتتصدى للمشروع الأمريكي_الإسرائيلي، رغم جراحها والحصار المفروض عليها داخليًا وإقليميًا ودوليًا، بالتزامن مع القصف والاغتيالات اليومية ومصادرة الجيش_رغمًا عنه_ما تبقى من أنفاقها وسلاحها”جنوبي الليطاني” ومنعه من الاحتفاظ به، لأنه غير مسموح له أن يكون قادرًا على قتال إسرائيل، بل تحويله إلى شرطة تعمل لتنفيذ طلبات إسرائيل عبر “الآلية” (الميكانزم) التي تم استنساخها في سوريا بغرفة عمليات مشتركة ثلاثية، والتي سيتم تعميمها لإدارة لبنان وسوريا وفلسطين، ومن ثم بقية الدول العربية تباعًا.
تفرض التحوّلات السلبية الجيوسياسية والعسكرية في المنطقة، والتي شملت إسقاط سوريا، وإبادة غزة، وتحييد العراق، والتهديدات الداخلية والخارجية التي تواجه إيران، على المقاومة في لبنان ضرورة مراجعة استراتيجيتها للمواجهة وأن الهدف الأساسي والاستراتيجي هو “حفظ البقاء” وتفادي الوقوع في فخ “اغتيالها”،مما يتطلّب تغيير وسائل وأدوات المواجهة السابقة لتتناسب مع الأوضاع الصعبة والجدية الراهنة، وأهمها أنها ستصبح وحيدة في الميدان ويتيمة بين الأعداء ووجوب العودة إلى العمل السري والخلايا المنفردة، وإيقاف الظهور الإعلامي العلني، والتخلي عن المواقع الثابتة، واعتماد استراتيجية التواجد “جنوبي العدو” أينما وُجد، كبديل عن منظومة “جنوبي الليطاني”.
يمثل الاتفاق الأمني الإسرائيلي-السوري تحولّاً استراتيجياً خطيراً ضد المقاومة في لبنان؛ فقد انتقلت سوريا من دور الداعم والحاضن ومخزن السلاح إلى قاطع طريق ومهدّد للمقاومة.
الحرب لم تنتهِ ولن تنتهي.. ويمكننا الصمود وعدم الاستسلام أو اليأس، ويمكننا الانتصار أيضاً بإذن الله، فلا ترفعوا الرايات البيضاء.


