العراق على مفترق الطرق: التهديد الامريكي وامتحان السيادة

العراق على مفترق الطرق التهديد الامريكي وامتحان السيادة
يمثل المشهد السياسي العراقي اختبارًا حاسمًا للسيادة الوطنية، في ظل ضغوط أمريكية مباشرة تهدد القرار الداخلي. القبول بهذا التدخل يكرّس التبعية، بينما مقاومته تعبير عن الكرامة وحق الشعب في تقرير مصيره....

في قلب المشهد السياسي العراقي حيث تتصارع الإرادات وتتداخل الخيوط تقف قضية اختيار رئيس الوزراء الجديد اختبارًا لمفهوم لم يعد مجرد شعار هو الاستقلال الوطني. فما يجري اليوم يتجاوز بكثير سجالاً حول شخصية سياسية بعينها بل هو امتحان عسير لإرادة شعب وكرامة دولة. لقد وضعت التغريدة الصادمة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي هدد فيها بقطع المساعدات عن العراق في حال عودة نوري المالكي إلى رئاسة الوزراء الجميع أمام خيار قاسي وصعب جدًا وحُوصر الإطار التنسيقي وبعده كل القوى الوطنية بين خيارين لا ثالث لهما: إما الرفض أو القبول بالشروط الخارجية الصارخة حيث تجرد الموقف الأمريكي من كل لباقات الدبلوماسية المعتادة ليظهر بوضوح لا لبس فيه الولاء أو التخلي، التبعية أو العزلة.

لقد حول هذا التدخل المشهد الداخلي إلى حالة من الجمود والخمول حيث غدا تأثير المحيط الخارجي على القرارات العراقية أقوى من تأثير المحيط الداخلي نفسه.

في هذا المناخ المشحون يأتي الإعلان عن ترشيح نوري المالكي من قبل الإطار التنسيقي ليصبح محكاً حقيقياً فالقبول بالوصاية الأمريكية وتراجع القوى السياسية عن خيارها ليس مجرد انتكاسة تكتيكية بل هو تأسيس لحاله سياسيه جديده وخطيره  تقضي بأن أي منصب في الدولة هو حق للقوى العراقية ما لم يعترض عليه السيد في واشنطن ويكون مشروطًا بموافقته . عندها ستفقد كل الخطابات عن الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة مصداقيتها ولن يعود لمفردات مثل السيادة والعراق المستقل وغيرها من الشعارات البراقة اي معنى تحت  التهديد الخارجي. إنها معركة وجود حول من يملك حق تقرير المصير: صناديق الاقتراع وممثلي الشعب أم تغريدة تهديد من قوة عظمى؟

إن أخطر ما في هذا المشهد ليس التهديد بحد ذاته، بل احتمالية تحوله إلى سابقة سياسية ملزمة. فإذا ما قُبل هذا التدخل اليوم، فسيُعاد إنتاجه غدًا بصيغ أشد قسوة وأوسع نطاقًا. الدولة التي تتنازل عن قرارها تحت الضغط تفقد تدريجيًا قدرتها على التفاوض والندية. وهنا يصبح الصمت السياسي شكلًا من أشكال التواطؤ غير المعلن. السيادة لا تُجزّأ ولا تُدار بمنطق التسويات المؤقتة.

لذلك فإن الموقف اليوم ليس مجرد خلاف سياسي داخلي يمكن تسويقه بل هو مسألة كرامة جمعية. إن التراجع تحت هذا الضغط يعني اعترافاً صريحاً بالتبعية ونقضاً لكل التضحيات التي قدمت من أجل التحرر والاستقلال والسيادة. إن التحدي المطروح على القوى الوطنية حتى تلك التي رفضت او تحفضت على المالكي هو أن تثبت أن الإرادة العراقية ليست سلعة قابلة للتفاوض وأن القرار الوطني لا يُباع ولا يُشترى. فالعزّة والشرف في الدفاع عن حق البلاد في تقرير مصيرها حتى لو كلّف ذلك مواجهة تحديات جسام هي الخيار الوحيد الذي يصون كرامة الحاضر ويحفظ أمل المستقبل. فهل تكون هذه اللحظة الفاصلة بداية لاستعادة زمام المبادرة أم ستُسجل في التاريخ كفصل جديد من فصول الإذعان؟

One Response

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *