لم تكن المشكلة يوماً في وجود قانون نافذ اسمه قانون التعرفة الكمركية رقم 22 لسنة 2010، ولا في مبدأ تطبيقه بحد ذاته، بل في طريقة وتوقيت وأدوات التطبيق. فالفارق بين دولة تدير اقتصاداً ودولة تكتفي بتلاوة النصوص هو أن الأولى تسبق القرار بدراسة أثر، بينما الثانية تكتشف النتائج بعد أن يدفع المواطن الثمن.
عندما قررت الحكومة، عبر قرار مجلس الوزراء رقم 957 لسنة 2025، المضي في التطبيق الكامل لجداول التعرفة، وربط ذلك بنظام الأسيكودا والبيان المسبق واشتراطاته المصرفية، فإنها عملياً نقلت عبء القرار من الورق إلى السوق مباشرة دون مراحل انتقالية أو أدوات امتصاص صدمة.
قبل هذا التطبيق، كان المستورد العراقي – خصوصاً في السلع الأساسية – يعمل بهوامش ضيقة، لكنه قابلة للاستمرار. شحنة غذائية بقيمة مئة ألف دولار كانت تتحمل رسوماً وكلفاً إضافية لا تتجاوز ثمانية آلاف دولار تقريباً، تشمل رسوماً فعلية، تخليصاً ونقلاً. هذه الكلفة كانت تسمح بتسعير معقول، ومنافسة بين المستوردين، واستقرار نسبي في السوق.
بعد التطبيق، تغيّرت المعادلة جذرياً. فالجداول التي بقيت معطّلة خمسة عشر عاماً فُعِّلت دفعة واحدة، لترتفع الرسوم الفعلية على الشحنة نفسها إلى ما يقارب خمسة وعشرين ألف دولار، يضاف إليها فرق رسم لاحق في منافذ الإقليم، وكلف تأخير وأرضيات ونقل إضافي، فضلاً عن كلف التحويل غير الرسمي بسبب عدم القدرة على إصدار البيان المسبق. النتيجة أن الكلفة الإضافية للشحنة الواحدة قفزت إلى ما بين سبعة وثلاثين وأربعين ألف دولار، أي ما يعادل أربعة أضعاف ما كانت عليه سابقاً.
هذا الفارق لم يكن نظرياً، بل انتقل فوراً إلى السوق. التاجر الصغير والمتوسط، الذي لا يمتلك سيولة كبيرة ولا حسابات خارجية، وجد نفسه عاجزاً عن الاستمرار. بعضهم خرج من السوق، وبعضهم خفّض الكميات، والبعض اضطر إلى رفع الأسعار قسراً للبقاء. وهنا بدأت الحلقة الأخطر: انكماش المنافسة وارتفاع الأسعار في آن واحد.
المواطن هو الطرف الأضعف في هذه السلسلة. كيس الرز الذي كان يُباع بنحو ستين ألف دينار ارتفع إلى ما يقارب خمسة وثمانين ألفاً. زيت الطعام ارتفع بنسب تقارب الثلاثين في المئة، ومواد التنظيف تجاوزت زيادتها الخمسة والثلاثين في المئة. هذه ليست كماليات، بل سلع يومية لا يمكن الاستغناء عنها. المواطن لا يعنيه إن كانت الزيادة “تنفيذاً لقانون” أو “تصحيحاً لمسار”، ما يهمه أنه يدفع الفرق من دخله المحدود.
في الوقت نفسه، أدى ربط البيان المسبق بنظام الأسيكودا واشتراطه للتحويلات المصرفية إلى نتيجة أكثر خطورة على الاستقرار النقدي. فالمستورد الذي يعمل عبر منافذ الإقليم، وغير القادر عملياً على استكمال متطلبات البيان المسبق، حُرم من الدولار بالسعر الرسمي، واضطر إلى اللجوء للسوق السوداء. هذا خلق طلباً إضافياً يومياً على الدولار، يُقدَّر بعشرات الملايين، ما ساهم في رفع سعر الصرف من مستوياته شبه المستقرة إلى أرقام تجاوزت 1550 ديناراً للدولار.
هذا الارتفاع لم يكن رقماً مجرداً، بل كلفة إضافية مباشرة. فالشحنة التي تحتاج مئة ألف دولار أصبحت تتحمل فرق سعر صرف يصل إلى خمسة وعشرين مليون دينار، تُضاف إلى أصل الكلفة، وتُحمّل مرة أخرى على السعر النهائي. وهكذا دفع المواطن ثمن القرار مرتين: مرة عبر الرسوم، ومرة عبر سعر الصرف.
أما الحديث عن تطبيق القانون في منافذ الإقليم عبر استحداث مكاتب لاحقة لاستيفاء فرق الرسم، فهو لا يغيّر من جوهر المشكلة. هذه المعالجة الجزئية زادت الزمن والكلفة والتعقيد، وكرّست ازدواجية الإجراءات بدلاً من توحيدها. التطبيق الحقيقي لا يكون برقع متأخرة، بل بمنظومة موحدة قبل دخول البضاعة، وهو ما لم يتحقق.
الأخطر من ذلك أن الحكومة تجاهلت الصلاحيات التي يمنحها لها القانون نفسه، وتحديداً المادة الثانية التي تتيح تعديلات مؤقتة لمعالجة ظروف اقتصادية طارئة. لم تُجزّأ السلع، ولم تُستثن المواد الأساسية، ولم يُراعَ مستوى الدخل ولا القدرة الشرائية. كان القرار إدارياً صرفاً، بلا بُعد اجتماعي أو اقتصادي.
النتيجة النهائية واضحة: دخل الأسرة العراقية، الذي كان بالكاد يغطي احتياجاتها، بات يذهب ثلثاه للغذاء والاستهلاك القسري، وتقلص ما تبقى للمعيشة إلى حد خطير. المستفيد الوحيد من هذه الفوضى هو المستورد الكبير القادر على الامتثال الكامل للنظام، والذي وجد نفسه في سوق أقل منافسة وأسعار أعلى.
ما جرى ليس إصلاحاً، ولا تصحيحاً لمسار، بل تطبيق أعمى لقانون دون إدارة اقتصادية. والأسوأ من القرار نفسه هو الخطاب الذي يحاول تلميعه، متجاهلاً أن الاقتصاد لا يُدار بالنصوص وحدها، بل بفهم السوق وحماية الإنسان.
عندما يُطبَّق القانون بلا اقتصاد،
يدفع المواطن الثمن،
ويخرج التاجر الصغير من السوق،
ويبقى الاحتكار واقعاً مفروضاً.


