من اقتصاد الدولة إلى دولة الاقتصاد: قراءة في رؤية رئيس مجلس الوزراء لإعادة تشكيل السياسة المالية العراقية

من اقتصاد الدولة إلى دولة الاقتصاد قراءة في رؤية رئيس مجلس الوزراء لإعادة تشكيل السياسة المالية العراقية
تطرح الرؤية الاقتصادية العراقية انتقالاً من الدولة الريعية إلى دولة تقودها التنمية والإنتاج، عبر تنويع الإيرادات، وأتمتة الكمارك، ودعم القطاع الخاص، وإصلاح النظام المالي لمواجهة الفساد وتعزيز الاستقرار الاقتصادي...

تشكل زيارة علي فالح الزيدي إلى وزارة المالية وما تضمنته من تصريحات اقتصادية ومالية نقطة تحول مهمة في الخطاب الحكومي العراقي، لأنها للمرة الأولى تضع إطارًا نظريًا وسياسيًا واضحًا للانتقال من “إدارة الإنفاق” إلى “إدارة التنمية”. فالكلمات المفتاحية التي تكررت في حديث رئيس الوزراء مثل: الرؤية المالية، الناتج المحلي، تعظيم الإيرادات، تقليل الاعتماد على النفط، دعم القطاع الخاص، الأتمتة، الاقتصاد يقود الدولة، تعكس محاولة لإعادة تعريف دور الدولة العراقية اقتصاديًا.

لكن السؤال الأهم ليس في الطرح النظري، بل في: هل يمتلك العراق الأدوات المؤسسية والمالية والتنفيذية لتحويل هذه الرؤية إلى واقع؟

التحول من “الدولة الريعية” إلى “الدولة الإنتاجية

منذ عام ٢٠٠٣ اعتمد الاقتصاد العراقي على نموذج ريعي شبه مطلق، إذ تشكل الإيرادات النفطية أكثر من 90% من الإيرادات العامة، بينما بقيت القطاعات غير النفطية ضعيفة ومحدودة التأثير.

لذلك فإن تصريح رئيس الوزراء بأن: “الموازنة يجب أن تعظم مواردها ولا يمكن الاستمرار بالاعتماد على النفط فقط”

يمثل اعترافًا رسميًا بأن النموذج الاقتصادي الحالي وصل إلى مرحلة الإنهاك. فالاقتصاد الريعي يخلق:

* تضخمًا وظيفيًا في الدولة.

* ضعفًا في القطاع الخاص.

* هشاشة مالية عند انخفاض أسعار النفط.

* اعتمادًا استهلاكيًا بدل الإنتاج.

* تآكلًا في قيمة العمل والإنتاج المحلي.

ومن هنا فإن نجاح خطة “العراق 2035” يتوقف على قدرة الحكومة على الانتقال من:

اقتصاد الرواتب → إلى اقتصاد الإنتاج والاستثمار.

هل يمكن أن “يقود الاقتصاد الدولة” فعلًا؟

أخطر وأعمق ما ورد في تصريحات رئيس الوزراء قوله:“نرغب بأن يكون الاقتصاد هو من يدير الدولة.” هذه العبارة تعني نظريًا: تقليل هيمنة القرار السياسي على السوق، منح القطاع الخاص دورًا حقيقيًا، تحويل الدولة من مشغل ضخم إلى منظم اقتصادي، تقليل التوظيف الحكومي العشوائي، وبناء اقتصاد تنافسي قائم على الإنتاج.

لكن عمليًا، يواجه هذا التحول عقبات خطيرة:

١- تضخم القطاع العام

العراق يمتلك واحدًا من أعلى معدلات التوظيف الحكومي في المنطقة، ما يجعل أي تحول اقتصادي يصطدم مباشرة بالبنية الاجتماعية للرواتب.

٢- ضعف القطاع الخاص

القطاع الخاص العراقي لا يزال: محدود التمويل، ضعيف الحماية، يواجه منافسة استيراد غير عادلة، ويعاني من البيروقراطية والفساد.

٣- الاقتصاد الموازي

هناك اقتصاد غير رسمي ضخم: تهريب، تجارة نقدية، تهرب ضريبي، وتلاعب كمركي. وهذا يجعل الاقتصاد الحقيقي خارج السيطرة المالية للدولة.

الأتمتة والكمارك… المعركة الحقيقية للإيرادات

أكثر النقاط العملية أهمية كانت حديثه عن:كشف إيرادات الكمارك، التلاعب بالمواد عالية الرسوم، والأتمتة لإنهاء الفساد وهنا تكمن إحدى أهم أدوات الإصلاح الحقيقي. فالعراق يخسر سنويًا مليارات الدولارات بسبب: تغيير التصنيف الكمركي للبضائع، التلاعب بالفواتير، ضعف المنافذ، وتعدد الجهات المسيطرة. الاقتصاد النقدي غير المراقب.

ماذا تعني الأتمتة هنا؟

الأتمتة لا تعني مجرد “حاسبات” بل تعني: ربط المنافذ إلكترونيًا، توحيد قاعدة البيانات، إنهاء التدخل البشري المباشر، الربط مع الضرائب والبنك المركزي، ومراقبة حركة البضائع لحظيًا. وفي حال نجاح هذا المشروع فإن العراق قد يحقق: زيادة الإيرادات غير النفطية، تقليل الفساد، ضبط الاستيراد، وحماية المنتج المحلي. لكن نجاحها يحتاج: إرادة سياسية صارمة.

مواجهة شبكات الفساد، وحماية الأنظمة الرقمية من الاختراق والتعطيل الإداري.

رواتب الموظفين… البعد النفسي والاقتصادي

تأكيد رئيس الوزراء على إطلاق الرواتب بموعدها يحمل بعدًا نفسيًا خطيرًا، لأن: الرواتب في العراق ليست مجرد استحقاق مالي بل تمثل المحرك الرئيسي للاستهلاك والأسواق. أي تأخير في الرواتب يؤدي إلى: ركود الأسواق، ارتفاع القلق المجتمعي، زيادة المضاربة بالدولار، وتراجع القوة الشرائية. لذلك فإن استقرار الرواتب يعني: استقرارًا نفسيًا واقتصاديًا وأمنيًا أيضًا. لكن المشكلة أن:

* كتلة الرواتب مرتفعة جدًا.

* الإنفاق التشغيلي يستهلك معظم الموازنة.

* الإيرادات غير النفطية ما تزال محدودة.

أي أن الحكومة تحاول حاليًا تحقيق معادلة صعبة: المحافظة على الاستقرار الاجتماعي مع تقليل الريعية.

القطاع الخاص… بين الشعار والواقع

الحكومة تعلن دعم القطاع الخاص، لكن نجاح ذلك يتطلب إجراءات حقيقية، منها:

١- إصلاح النظام المصرفي: لا يمكن بناء قطاع خاص قوي دون قروض إنتاجية، تمويل صناعي وزراعي، وتحديث الأنظمة المصرفية.

٢- حماية المنتج المحلي: من دون ضبط الاستيراد سيبقى الإنتاج العراقي عاجزًا عن المنافسة.

٣- القضاء على الابتزاز الإداري: الفساد الإداري يمثل أكبر عائق للاستثمار.

٤- الاستقرار التشريعي: المستثمر يحتاج قوانين مستقرة لا تتغير سياسيًا.

هل العراق قادر على تنفيذ خطة ٢٠٣٥؟

نظريًا نعم… لكن بشروط. العراق يمتلك: موقعًا جغرافيًا استثنائيًا، ثروات طبيعية ضخمة، سوقًا استهلاكية كبيرة، طاقات شبابية، وقدرة على التحول إلى مركز نقل وتجارة إقليمي. لكن النجاح يتطلب: أدوات التنفيذ الحقيقية

١- إصلاح مالي شامل: توسيع الإيرادات غير النفطية، تقليل الهدر، ضبط الإنفاق.

٢- التحول الرقمي: أتمتة الجمارك، رقمنة الضرائب، الدفع الإلكتروني، وقاعدة بيانات موحدة.

٣- إصلاح مصرفي: تعزيز الثقة بالمصارف، تقليل الاقتصاد النقدي، جذب الكتلة النقدية المكتنزة.

٤- إصلاح إداري وقضائي: أي خطة اقتصادية تنهار إذا بقي: الفساد بلا محاسبة، الاستثمار بلا حماية قانونية.

أثر هذه الرؤية على المواطن

إذا نُفذت الرؤية بصورة صحيحة فقد تؤدي إلى: استقرار اقتصادي، فرص عمل حقيقية، تقليل الاعتماد على الوظيفة الحكومية، تحسين الخدمات، رفع الناتج المحلي، وزيادة الإيرادات غير النفطية.

أما إذا بقيت ضمن إطار الخطابات دون أدوات تنفيذ، فإن النتيجة ستكون: استمرار العجز المالي، زيادة البطالة المقنعة، اتساع الفجوة بين الدولة والسوق، وتآكل القوة الشرائية للمواطن.

تصريحات رئيس الوزراء تمثل محاولة لإعادة صياغة الفلسفة الاقتصادية للدولة العراقية، والانتقال من “اقتصاد تديره الحكومة” إلى “حكومة ينظمها الاقتصاد”.

لكن التحدي الحقيقي ليس في إعلان الرؤية، بل في: القدرة على كسر البنية الريعية التقليدية التي تأسست خلال عقود.

فالعراق لا يحتاج فقط إلى: خطة ٢٠٣٥ بل يحتاج إلى: مؤسسات قوية، إدارة رقمية، قطاع خاص حقيقي، وقبل كل شيء…إرادة تنفيذ تتغلب على شبكات الفساد والمصالح التقليدية. لأن بناء الاقتصاد لا يتحقق بالشعارات، بل بإعادة هندسة الدولة ماليًا وإداريًا وإنتاجيًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *