إجراءات القضاء المتميزة بين الامتثال الدولي وإخفاق التنفيذ المؤسسي
قراءة تحليلية علمية في تقارير التقييم المتبادل ونقاط ضعف منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في العراق
لم يفشل العراق في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب بسبب غياب القوانين، ولا بسبب ضعف القضاء، بل بسبب منظومة تنفيذية أخفقت في فهم جوهر المعركة. ففي الوقت الذي كان فيه القضاء العراقي يطوّر أدواته، ويُراكم خبرة نوعية في التحقيق والملاحقة والمصادرة، كانت الجهة المفترض أن تقود الجهد الفني — مكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب — عاجزة عن تحويل هذا الجهد إلى نتائج تُقنع الداخل وتحظى بثقة الخارج. وهكذا، ظهر العراق في تقارير التقييم المتبادل دولةً “تملك النص… وتفتقد الفعالية”.
إن أخطر ما كشفته تقارير FATF وMENAFATF ليس وجود ثغرات قانونية، بل سقوط مفهوم الفعالية في التطبيق. فالتقييم الدولي لا يُكافئ عدد اللجان، ولا يحتفي بالتصريحات الإعلامية، بل يقيس قدرة الدولة على استخدام معلوماتها المالية، وتحويل البلاغات إلى تحقيقات، والتحقيقات إلى إدانات، والإدانات إلى مصادرة حقيقية للأموال غير المشروعة. وفي هذه السلسلة تحديدًا، انكسر الأداء عند الحلقة الأضعف: الإدارة والتحليل داخل مكتب مكافحة غسل الأموال.
لقد وُجد القضاء مستعدًا، لكن الملفات وصلت إليه ناقصة، والتحليل كان سطحيًا، والمتابعة غائبة، والنتائج لم تُوثّق كما تتطلب المعايير الدولية. فبدل أن تُبنى صورة امتثال حقيقية تعكس الواقع القضائي، جرى تقديم صورة مرتبكة، أضعفت موقف العراق، وأبقت اسمه عالقًا في مناطق التقييم المتدني، رغم توفر أدوات الخروج منها.
إن استمرار هذا الخلل لا يُعد مجرد إخفاق إداري، بل مخاطرة استراتيجية تمس سمعة العراق المالية، وتُقيّد علاقاته المصرفية، وتُحمّل المواطن كلفة مباشرة عبر تشديد التحويلات وارتفاع كلف الامتثال وضعف الثقة الاستثمارية. وعليه، فإن الصمت عن هذا الإخفاق، أو التستر عليه بخطاب تبريري، لا يقل خطورة عن الإخفاق ذاته.
من هنا، تأتي هذه المقالة كوقفة نقدية صارمة، تُعيد توجيه بوصلة المساءلة نحو موقعها الصحيح، وتؤكد أن الفعالية القضائية لا تُنقذ دولة إذا خذلتها مؤسسات التنفيذ، وأن إصلاح ملف مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب يبدأ من الاعتراف بالإخفاق المؤسسي، لا من تحميل القضاء وزر فشلٍ لم يص.
الإطار العام وأهمية الموضوع
تمثل منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب (AML/CFT) أحد أهم معايير الثقة الدولية بالنظام المالي والقانوني لأي دولة، إذ ترتبط مباشرة بسلامة النظام المصرفي، وجاذبية الاستثمار، والانفتاح المالي الدولي.
وفي هذا السياق، يبرز دور القضاء كعنصر محوري في تحقيق الامتثال الفعلي، لا الشكلي، لمعايير مجموعة العمل المالي (FATF) وتوصياتها الأربعين.
وقد أظهرت التجربة العراقية، ولا سيما في تقارير التقييم المتبادل، مفارقة واضحة بين:
- تطور نسبي في الأداء القضائي والإجراءات القضائية المتميزة،
وبين
- إخفاق إداري وتنفيذي مزمن لمكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في تحويل هذه الإجراءات إلى نتائج قابلة للقياس دوليًا.
الإجراءات القضائية المتميزة
رغم التحديات، سجل القضاء العراقي، وبخاصة محكمة تحقيق قضايا النزاهة وغسل الأموال وتمويل الإرهاب، جملة من الإجراءات الإيجابية، يمكن توصيفها علميًا بأنها:
1.تفعيل الاختصاص النوعي
عبر تخصيص قضاة تحقيق مختصين بملفات غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ما عزز الفهم الفني للجريمة المالية المركبة.
2.الاستجابة للتوصيات الدولية
من خلال الأخذ بمفاهيم: الجريمة الأصلية، تتبع الأموال، المصادرة الموسعة والربط بين الجريمة المالية والإرهاب
3.تعزيز التعاون القضائي الداخلي مع هيئات النزاهة، الادعاء العام، والجهات الرقابية، بما ينسجم نظريًا مع متطلبات FATF.
4.الاستناد إلى الإطار التشريعي
ولا سيما قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب رقم (39) لسنة 2015، وتطبيقه قضائيًا في عدد من القضايا النوعية.
هذه الإجراءات، من حيث المبدأ، تشكل نقطة قوة واضحة في عنصر “الفعالية القضائية” (Immediate Outcome 7 .
أين تكمن المفارقة؟
رغم هذه الإجراءات، جاءت نتائج التقييم المتبادل مخيبة، وهو ما يثير سؤالًا جوهريًا: لماذا لم تنعكس الإجراءات القضائية المتميزة على نتائج العراق في تقارير التقييم المتبادل؟
الجواب يكمن في الإخفاق المؤسسي لمكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، لا في القضاء. إخفاق مكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب يمكن تلخيص نقاط الإخفاق وفق منهج تحليلي عملي كما يلي:
1.ضعف التحليل المالي الاستراتيجي
- غياب تقارير تحليلية معمقة للأنماط والاتجاهات.
- الاكتفاء بإحصاءات رقمية غير مرتبطة بالمخاطر الوطنية.
- ضعف الربط بين البلاغات (STRs) والنتائج القضائية.
- 2.قصور في إدارة المعلومات
- عدم بناء قواعد بيانات ذكية قابلة للتتبع والتحليل.
- ضعف التكامل مع الجهات الرقابية والمصرفية.
- تأخر أو عدم دقة الإحالات إلى القضاء.
- 3. فشل في إثبات الفعالية (Effectiveness)
تقارير FATF لا تقيم وجود القوانين فقط، بل: عدد القضايا المحالة، نسبة الإدانة، قيمة الأموال المصادرة وارتباط القضايا بالمخاطر الحقيقية المكتب أخفق في تقديم هذه المؤشرات بصورة منهجية ومدعومة بالأدلة.
4. ضعف التنسيق مع القضاء
- الإحالات غالبًا غير مكتملة فنيًا.
- غياب المتابعة اللاحقة للقضايا.
- عدم استثمار الأحكام القضائية كنقاط قوة في التقارير الدولية.
الأثر المباشر على تقارير التقييم المتبادل
نتيجة هذا الخلل، سجل العراق:
- تدني في Immediate Outcome 6 (استخدام المعلومات المالية)
- ضعف في Immediate Outcome 7 (التحقيق والملاحقة)
- قصور في Immediate Outcome 8 (المصادرة)
رغم أن القضاء كان جاهزًا إجرائيًا، إلا أن المدخلات التحليلية الضعيفة جعلت المخرجات غير كافية لتلبية معايير التقييم.
من يتحمل المسؤولية؟
من منظور علمي موضوعي القضاء أدى دوره ضمن المتاح، وقدم إجراءات نوعية. مكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب أخفق إداريًا وفنيًا في: التحليل، التوثيق، المتابعة، وإثبات الفعالية وبالتالي، فإن تحميل الإخفاق لمنظومة القضاء يُعد تشخيصًا مضللًا يخفي جوهر المشكلة المؤسسية.
1.إعادة هيكلة مكتب مكافحة غسل الأموال وفق نموذج وحدات الاستخبارات المالية الفعالة (FIU).
2.ربط مباشر ومستدام مع القضاء عبر فرق مشتركة.
3.الانتقال من الكم إلى النوع في التقارير.
4.استثمار الأحكام القضائية الصادرة كأدلة امتثال دولي.
5.إخضاع المكتب لتقييم أداء مستقل بعيدًا عن التسييس.
إن نجاح أي دولة في الخروج من مناطق الخطر الدولية لا يتحقق بالشعارات ولا باللجان الشكلية، بل عبر منظومة متكاملة يكون فيها: القضاء فاعلًا، والتحليل المالي مهنيًا، والتنفيذ المؤسسي مسؤولًا. وفي الحالة العراقية، أثبتت الوقائع أن الإجراءات القضائية كانت متقدمة نسبيًا، لكن الإخفاق التنفيذي لمكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب حال دون تحويلها إلى إنجاز دولي معترف به.


