85 تريليون دينار خارج النظام المصرفي وأزمة فقدان السيطرة المالية في العراق

85 تريليون دينار خارج النظام المصرفي وأزمة فقدان السيطرة المالية في العراق
تكشف المعطيات أن كتلة نقدية ضخمة خارج النظام المصرفي العراقي تعكس ضعف الرقابة والثقة المؤسسية، وأن غياب التقنيات التحليلية الحديثة يوسّع الاقتصاد الموازي ويعطل الاستثمار، ما يجعل أزمة الإدارة لا الموارد جوهر الاختلال المالي....

الذكاء الاصطناعي والبلوك تشين وإنترنت الأشياء في العراق كيف كشف اخفاق الرقابة المصرفية ضياع 85 تريليون دينار خارج سيطرة الدولة؟

حين تكشف التكنولوجيا حجم الاخفاق

في الدول الحديثة، تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي والبلوك تشين وإنترنت الأشياء لتعزيز الرقابة المالية وتقليل الاحتيال، أما في العراق فإن غياب هذه الأدوات لم يؤدِّ فقط إلى تأخر تقني، بل كشف حقيقة أخطر هي فقدان السيطرة على الجزء الأكبر من الأموال النقدية، إذ لقد تجاوزت الكتلة النقدية في العراق 100 تريليون دينار عراقي، لكن الصدمة ليست في الرقم بل في توزيع السيطرة عليه، حيث تشير البيانات إلى أن 85 تريليون دينار، أي نحو 85% من النقد، خارج الجهاز المصرفي، وبعبارة أوضح فإن البنك المركزي لا يسيطر فعليًا إلا على 15% من أموال البلد النقدية، وهذا الرقم وحده يكفي لفهم حجم أزمة الرقابة.

ماذا يعني خروج 85 تريليون دينار من النظام المصرفي؟

هذا الرقم يعادل أكثر من 65 مليار دولار، وهو مبلغ يكفي لتمويل رواتب الدولة لسنوات أو بناء بنية تحتية كاملة لدولة نامية، لكن الأخطر ليس حجمه بل كونه خارج الرقابة المصرفية وخارج أنظمة الامتثال وخارج أنظمة تتبع الأموال، وهذا يعني أن البنك المركزي لا يستطيع تعقب حركة معظم الأموال في الاقتصاد، ما يخلق فراغًا رقابيًا واسعًا تتحرك فيه السيولة دون إشراف فعلي.

نصف اقتصاد العراق يتحرك خارج الرقابة

تشير التقديرات إلى أن الاقتصاد غير الرسمي يمثل أكثر من 50% من الناتج المحلي الإجمالي، وباحتساب الناتج المحلي بنحو 250 مليار دولار فإن نحو 125 مليار دولار تتحرك خارج النظام الرسمي، وهذا يعني أن نصف اقتصاد الدولة لا يخضع للرقابة المصرفية الفعلية، وهو مؤشر خطير على ضعف أدوات الرقابة وعلى اتساع الفجوة بين الاقتصاد المنظم والاقتصاد الموازي.

إخفاق البنك المركزي ومكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الارهاب

رغم وجود البنك المركزي كجهة رقابية عليا ومكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب كجهة متخصصة، إلا أن النتائج الرقمية تشير إلى فجوة واضحة بين الدور القانوني والواقع الفعلي، فعلى سبيل المثال تشير التقديرات إلى أن التلاعب أو تضخيم فواتير الاستيراد بنسبة 5% فقط يمكن أن يؤدي إلى تسرب أكثر من 2.5 مليار دولار سنويًا، وهذا التسرب لا يمكن أن يحدث بهذا الحجم دون وجود ضعف في أنظمة الكشف المبكر والتحليل، وهو ما يعكس قصورًا في أدوات الرقابة وليس في النصوص القانونية.

خسائر الاحتيال التي لا تُكتشف

في نظام مصرفي تقليدي يعتمد على التدقيق اليدوي، فإن نسبة احتيال صغيرة لا تتجاوز 1% يمكن أن تؤدي إلى خسائر تصل إلى 100 مليار دينار سنويًا، والسبب الرئيسي هو غياب أنظمة التحليل الذكية القادرة على اكتشاف العمليات المشبوهة فور حدوثها، في المقابل يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي تقليل هذه الخسائر بنسبة تصل إلى 90%، وهذا يعني توفير عشرات المليارات سنويًا لو تم اعتماد أدوات تحليل متقدمة.

كيف كان يمكن للتكنولوجيا منع هذه الخسائر؟

الذكاء الاصطناعي يمكنه تحليل ملايين العمليات المالية واكتشاف الأنماط المشبوهة ومنع الاحتيال قبل حدوثه، ولو تم تطبيقه في العراق كان يمكن تقليل خسائر الاحتيال من 100 مليار دينار إلى أقل من 10 مليارات، أما البلوك تشين فيمكنه إنشاء سجل مالي غير قابل للتلاعب وتتبع الأموال بدقة ومنع التلاعب بالحوالات، ولو تم استخدامه في الحوالات الخارجية كان يمكن تقليل تسرب 2.5 مليار دولار إلى جزء بسيط من هذا الرقم، كما أن إنترنت الأشياء يمكنه مراقبة أجهزة الصراف وحماية الأموال وتقليل السرقة وهو ما يقلل الخسائر التشغيلية للمصارف ويعزز كفاءة النظام المالي.

الخسارة الاقتصادية الأكبر: الأموال المعطلة

وجود 85 تريليون دينار خارج المصارف لا يعني فقط ضعف الرقابة بل يعني أيضًا تعطيل هذه الأموال عن الاستثمار، فلو تم إدخال 30% فقط منها إلى النظام المصرفي أي نحو 25 تريليون دينار وتم استثمارها بعائد 10% فإن ذلك سيولد 2.5 تريليون دينار سنويًا، وهو رقم كفيل بتحريك الاقتصاد وخلق فرص عمل واسعة، لكن هذا لم يحدث، وبقيت السيولة خارج الدورة الاقتصادية المنظمة.

السبب الحقيقي فقدان الثقة

احتفاظ المواطنين بأموالهم خارج المصارف ليس مجرد سلوك مالي بل هو مؤشر على فقدان الثقة، وهذا الفقدان للثقة هو نتيجة مباشرة ضعف الرقابة وضعف الحماية وضعف الأنظمة، فالنظام المصرفي القوي لا يُقاس بعدد تعليماته بل بحجم الأموال التي يثق الناس بإيداعها فيه، وحين تبقى 85% من السيولة خارج المصارف فإن الرسالة واضحة.

الحقيقة التي كشفتها الأرقام والتكنولوجيا

إن غياب أنظمة الذكاء الاصطناعي والبلوك تشين لا يمثل مجرد تأخر تقني بل أدى إلى ضعف اكتشاف الاحتيال وضعف تتبع الأموال وضعف الامتثال وبالتالي ضعف السيطرة على النظام المالي، فالعراق لا يعاني من نقص الأموال بل من فقدان السيطرة عليها، و85 تريليون دينار خارج النظام المصرفي تعني أن المشكلة ليست في الموارد بل في الإدارة، وليست في القوانين بل في أدوات التطبيق.

السؤال الأخطر

إذا كان البنك المركزي يسيطر على 15% فقط من النقد، فمن يسيطر على الـ 85% الأخرى؟ إن ما كشفته هذه الأرقام ليس مجرد خلل مصرفي بل خلل هيكلي في منظومة الرقابة المالية، لقد أثبت الواقع أن الأدوات التقليدية لم تعد كافية وأن النظام المصرفي في ظل غياب التكنولوجيا الرقابية الحديثة بقي يعمل بأدوات الماضي في مواجهة مخاطر الحاضر، العراق لا يحتاج إلى المزيد من الأموال، العراق يحتاج إلى استعادة السيطرة على أمواله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *