حين تتحول “التوجيهات” إلى مشرّعٍ موازً من يعدّل القانون البرلمان أم حكومة تصريف الأعمال؟

حين تتحول “التوجيهات” إلى مشرّعٍ موازً من يعدّل القانون البرلمان أم حكومة تصريف الأعمال؟
تعديل التوجيهات التنفيذية الخاصة بالقيم الجمركية يثير إشكالاً دستورياً حول تجاوز السلطة التنفيذية لصلاحيات التشريع، ويهدد الاستقرار القانوني والاقتصادي، إذ يكشف اضطراب القرار ويضعف ثقة السوق، بينما الحل يكمن في احترام النصوص والتخطيط المستقر...

في مشهدٍ يختلط فيه التنفيذي بالتشريعي، صدرت توجيهات إدارية جديدة بشأن احتساب القيم الكمركية، بعد أسابيع من حملات التطبيل والترويج بأنها إجراءات “مستندة إلى” قانون التعرفة الكمركية رقم 22 لسنة 2010، وأنها تمثل إصلاحاً هيكلياً منضبطاً بالقانون. ثم فجأة، تُعدّل التوجيهات، وتُغيّر آليات الاحتساب، وكأننا أمام تشريعٍ مرن يُعاد تشكيله بكتابٍ إداري.

السؤال الجوهري هنا:

هل التوجيه التنفيذي يملك قوة تعديل النص التشريعي؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه تصحيحاً لارتباكٍ في التطبيق كشف خللاً في القراءة الأولى للقانون؟

بين “التطبيق” و”التعديل”… الخيط الدستوري الرفيع

الدستور العراقي رسم بوضوح مبدأ الفصل بين السلطات. فسنّ القوانين وتعديلها من اختصاص السلطة التشريعية، لا السلطة التنفيذية. والتوجيهات الإدارية – مهما علت الجهة المصدِرة – لا يمكن أن تتجاوز النص التشريعي أو تُنشئ أثراً قانونياً يخالفه.

وعندما يُقال إن الإجراءات مستندة إلى قانون نافذ، ثم يُعاد تعديلها بتوجيه لاحق، فإحدى حالتين تتحقق:

  1. إما أن التطبيق الأول لم يكن منسجماً مع القانون، ما يعني أن الترويج السابق كان سياسياً أكثر منه قانونياً.
  2. أو أن التوجيه الجديد يتجاوز حدود التطبيق إلى حدود التعديل المقنّع، وهنا نكون أمام إشكالية دستورية صريحة.

وفي الحالتين، الثابت أن الاستقرار التشريعي – وهو ركيزة الثقة الاقتصادية – قد تضرر.

حكومة تصريف الأعمال… حدود لا يجوز القفز فوقها

الحكومة في مرحلة تصريف الأعمال، وفق الفقه الدستوري والقضاء الإداري، تلتزم بإدارة المرافق العامة دون اتخاذ قرارات ذات طابع استراتيجي أو مالي بعيد الأثر.

فهل إعادة تنظيم احتساب القيم الكمركية – بما له من تأثير مباشر على:

  • أسعار السلع
  • حركة الاستيراد
  • التدفقات النقدية
  • الإيرادات العامة

يُعد إجراءً يومياً عابراً؟ أم سياسة اقتصادية عامة تمس جوهر السوق؟

إذا كان الثاني – وهو الأرجح – فإن السؤال يتجاوز الاقتصاد إلى الشرعية الدستورية.

أثر التخبط على الاقتصاد والسوق

التاجر لا يعمل في فراغ، بل في بيئة قانونية يفترض أن تكون مستقرة. وعندما تتغير آليات الاحتساب خلال فترة قصيرة:

  • ترتفع كلفة الامتثال
  • تتضاعف مخاطر التسعير
  • تتعطل سلاسل التوريد
  • ويُحمَّل المواطن فرق الكلفة في النهاية

النتيجة:

تآكل الثقة بالسوق، وزيادة الميل إلى الاكتناز أو تقليل الاستيراد، وربما اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الفعلي.

الاقتصاد لا يتضرر فقط من القرار الخاطئ، بل من القرار المتذبذب.

أين خطاب “الشرعية القانونية” الآن؟

من طبّل للإجراءات الأولى بوصفها “تطبيقاً صارماً للقانون”، كيف يبرر تعديلها اليوم؟

هل كان القانون يُطبَّق ثم عُدّل؟

أم أن القراءة الأولى كانت متعجلة؟

أم أن الضغط السوقي فرض مراجعة لم يُرد أصحاب القرار الاعتراف بها؟

التناقض هنا ليس سياسياً فحسب، بل معرفي أيضاً. فالخطاب الذي قدّم الإجراءات على أنها “لا تقبل النقاش” هو ذاته الذي وجد نفسه مضطراً لتعديلها.

بين المكرمة والسياسة العامة

منح “استثناءات” أو “تسهيلات” أو إعادة احتساب بقرار إداري، يفتح الباب أمام مفهوم خطير:

تحويل السياسة المالية إلى ملف تقديري خاضع للسلطة التنفيذية المباشرة.

وهذا يخلق بيئة غير متكافئة بين التجار، عرضة للتأويل الإداري، قابلة للازدواج في التطبيق

بينما الأصل أن تكون السياسة الكمركية عامة، مجردة، ومحددة بقانون.

الاستقرار قبل الجباية

ليست المشكلة في رفع أو خفض الرسم الكمركي بحد ذاته، بل في:

  • طريقة اتخاذ القرار
  • مدى انسجامه مع النص التشريعي
  • احترام حدود تصريف الأعمال
  • وضوح الرؤية الاقتصادية

فالاقتصاد العراقي – المثقل أصلاً بالتقلبات النقدية والإنفاق الريعي – لا يحتمل مزيداً من الارتباك التنظيمي.

إن احترام القانون لا يكون بتكرار اسمه في البيانات، بل بالالتزام بحدوده الدستورية.

والسياسة الاقتصادية الرشيدة لا تُدار بردود الأفعال، بل بالتخطيط والاستقرار.

وإلا سنبقى ندور في حلقة

قرار… تطبيل… ارتباك… تعديل… ثم تحميل المواطن الكلفة.

الدولة التي تُدار بالتوجيه لا بالنص، وبالارتجال لا بالتخطيط، تُربك سوقها قبل أن تُصلح ماليتها. فإما أن يكون القانون هو المرجع الأعلى الذي لا يُعدَّل إلا بقانونه، أو تبقى القرارات تدور في حلقة التصحيح بعد الخطأ، ويدفع التاجر والمواطن ثمن التجربة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *