ظاهرة التسول في العراق: واقــع مُـرّ ودوافع مُـعـقّـدة

ظاهرة التسول في العراق: واقــع مُـرّ ودوافع مُـعـقّـدة
يعالج التحليل ظاهرة التسول في العراق بوصفها نتيجة إخفاقات اقتصادية واجتماعية وقانونية، مبرزًا دور الفقر والبطالة وضعف الحماية الاجتماعية واستغلال الشبكات المنظمة، ومؤكدًا ضرورة معالجة شاملة تحفظ كرامة الإنسان....

تتفشّى في شوارع المدن العراقية ظاهرة التسول بشكل لافت، حيث ينتشر المتسولون عند الإشارات الضوئية وبجوار الأسواق والمجمعات التجارية ودور العبادة بل وفي الأحياء السكنية. هؤلاء المتسولون يشكلون لوحة بشرية متنوعة تجمع بين أطفال صغار ونساء غالباً ما يكون معهن أطفال وشباب وكهلة وشيوخ، يرتدون ملابس بالية أو يظهرون علامات المرض أو العجز. ومع تنوع أساليبهم بين الصامتين والناشدين والمتوسلين بل والمتعدّين أحياناً، يقدمون سرديات متشابهة لحكايات الفقر المدقع والمرض العضال وفقدان المعيل وضياع الأوراق الثبوتية.

هذه الظاهرة ليست مجرد مظهر اجتماعي عابر، بل هي أعمق من ذلك بكثير، فهي تعكس إخفاقات متراكمة في بنى اقتصادية واجتماعية وقانونية. فمن ناحية، ساهمت الحروب المتلاحقة والصراعات والنزوح في توسيع رقعة الفقر وخلقت شرائح مجتمعية هشة فقدت موارد رزقها ودعمها الاجتماعي. كما أن ضعف النظام الضماني الاجتماعي وعدم شموليته لملايين العراقيين يدفع بالكثيرين، خاصة الأرامل والأيتام وكبار السن، إلى حافة الهاوية، فيجدون في التسول الملاذ الوحيد لتأمين قوت يومهم. ولا يمكن إغفال دور ثقافة العيب والخوف من الفقر التي تجعل بعض الأسر تفضل إرسال أطفالها للتسول على طلب المساعدة الرسمية أو المجتمعية المباشرة.

من جانب آخر، تحوّل التسول في كثير من الحالات إلى مهنة مُنظمة تُدار من قبل شبكات تستغل الحاجة الإنسانية. تقوم هذه الشبكات بتوظيف الأشخاص، وخاصة الأطفال والنساء، وتوزيعهم على مناطق جغرافية معينة، واستخلاص جزء كبير من إيراداتهم اليومية. وهذا الاستغلال الممنهج يزيد من استمرارية الظاهرة ويصعب من محاربتها، حيث يتم استخدام المتسولين كأدوات بدون إرادتهم الكاملة. كما أن حالة اللاستقرار الاقتصادي المزمن وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، حتى بين خريجي الجامعات، تخلق بيئة خصبة لليأس، فيرى البعض في التسول، ولو مؤقتاً، حلاً سريعاً لسد الحاجة في غياب الفرص الوظيفية الكريمة والمتاحة. أما على المستوى القانوني والمؤسسي، فيعاني العراق من غياب تشريع واضح وشامل يجرم التسول بطريقة رادعة مع توفير بدائل إيوائية وضمانية حقيقية، وغالباً ما تكون الإجراءات عبارة عن حملات مؤقتة لا تلامس جذور المشكلة.

ختاماً، إن معالجة ظاهرة التسول في العراق تتطلب مقاربة شاملة تبدأ بإحصاء دقيق لفئة المتسولين الحقيقيين وتمييزهم عن المحترفين، وتمرّ بتعزيز شبكة الحماية الاجتماعية وشمول أكثر شرائح المجتمع ضعفاً، وخلق فرص عمل حقيقية عبر استثمار القطاعين العام والخاص. كما أن تفعيل القوانين الرادعة ضد شبكات الاتجار بالبشر واستغلال الفقراء، إلى جانب حملات توعية مجتمعية لتغيير النظرة وتشجيع الصدقة المؤسساتية عبر قنوات موثوقة، تشكل جميعها خطوات ضرورية على طريق تقليص هذه الظاهرة المؤلمة التي لا تليق بكرامة الإنسان ولا ببلد غني كالعراق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *