تلك التي خُلقت من نورٍ وماء ، ومن وجعٍ يشبه الذهب حين يُصهر ليزداد صفاءً ولمعاناً . سوريا التي تشبه فتاةً خرجت من جناح الملائكة ثم مشت على الأرض بقدمين من حلم ، ترتدي ثوباً من هواء الفجر ، وتضع فوق رأسها تاج الشمس . جميلة حدّ الوجع ، رقيقة كنسمةٍ تتسلل من قلب الربيع ، وصلبة كصخرة تعلمت كيف تحمي نفسها من البحر الذي لا يهدأ . عذراء الروح رغم أن الزمن حاول كثيرًا أن ينهش من بياضها ، ورغم أن الطامعين التفّوا حولها كذئابٍ عطشى ، يمدّون مخالبهم نحو قلبها ، يشعلون النار في جسدها ، ويتركون فوق جلدها ندوباً ،من دخان وحزن وذكريات ثقيلة .. لكنها ، رغم كل ما مرّ عليها ، بقيت . بقيت سوريا واقفة كالسروة التي تأبى أن تنحني للعاصفة ، شامخة مثل قاسيون وهو يطل على التاريخ بوقار نبيّ ، تتوكأ على صبرها حين يخفت الصوت حولها ، وتغسل جراحها بالدمع حين لا تجد ماءً غير حزنها ، وباليقين حين لا تجد سنداً غير إيمانها بأن للمحنة نهاية ، ولليل آخر ، وللغيم عادةً أن يمطر بعد طول احتباس . أرادوها سبية تُجرّ على حبال الخراب ، فإذا بها سيّدة الأرض ، تقول للريح ؛؛مرّي .. لن تُسقطي بيتاً بناه القلب . ؛؛ أرادوها ركاماً ، فإذا بها مدينة تصنع الضوء من تحت الحطام ، وتحوّل فتات الشهداء إلى نوافذ تفتح على الحياة .
ما انحنت إلا لربّها ، وما خانت إلا من خانها ، وما باعت إلا من حاول أن يبيعها . في عيونها دمعة لا تسقط لأنها تعرف أن سقوطها يعني انكسارها ، وفي قلبها وطن لا يموت لأنه وُلد من الروح لا من الجغرافيا . سوريا .. فتاة يحرسها الكبرياء ، تكسوها الكرامة كما تُكسى الأرض بالربيع ، وتظل رغم العواصف محافظة على طهرها ، لأن الطهر ليس جسداً يُمسّ ، بل روحاً لا تُقهر ، وأرضاً لا تنكسر ، وتاريخاً لا يقبل أن يُكتب إلا بيد أصحاب الدم النقي والعقل الرفيع . وفي قلب هذه الحكاية ، تبرز حلب .. حلب التي لا تُذكر إلا ويختلط اسمها برائحة الخبز الساخن ، وصوت الأذان المتكئ على مآذنها القديمة ، وذاك الأنين المكتوم في صدر حضارةٍ عظيمة . حلب اليوم ليست مجرد مدينة ؛ إنها جرح مفتوح على صفحة الزمن ، جرح يتنفس ، يحكي ، ويشهد . مدينة أنهكها القصف حتى بدا أن السماء قد ضاقت عليها ، وأتعبها الحصار حتى صار الهواء نفسه يحتاج إلى صبر ليدخل الصدور . تتناثر فيها البيوت كما تتناثر الأحلام حين تصطدم بحديد الحرب ، وتتمدد فوق شوارعها غصة لا تُرى لكنها تُحَسّ في كل حجر ، في كل زاوية ، في كل نافذة فقدت زجاجها وبقيت كعين مفتوحة على الحزن . في شوارع حلب ، يعلو صرير الخوف أحياناً على صوت الضحكات ، فتبدو الضحكة مثل طائرٍ يحاول الطيران بجناح مكسور . الأرصفة تتعثر بذكريات من رحلوا، بكلمات لم تُقل ، وبوجوهٍ دفنت في القلب قبل أن تُدفن في التراب .
النوافذ المتكسرة تكابر ، تحاول أن تبقى شاهدة لا خاضعة ، تقف أمام الريح وكأنها تقول ..؛ لن نغلق، لأن الضوء سيعود .؛ حلب تتقاسم خبزها مع الألم ، وتضع رأسها كل ليلة على وسادةٍ من قلق ، وتغفو وهي تحلم بسماء بلا طائرات ، وبأطفال يضحكون دون خوف ، وبأبواب تُفتح للحياة لا للهروب . ومع ذلك .. ورغم كل شيء .. تظل حلب تشبه أمًا عظيمة . أم تعرف أن أبناءها مذبوحون بالصبر ، لكنها لا تتخلى عنهم . تحتضنهم حتى ولو كانوا أشلاء ذاكرة ، تضمهم حتى لو كانوا بعيدين عنها بأجسادهم قريبين منها بأرواحهم . تئن ولا تنهار ، تبكي ولا تستسلم ، تتألم لكنها لا تسمح للوجع أن يتحول إلى استسلام. هي مدينة حين تنكسر .. تنكسر بوقار ، وحين تنهض .. تنهض كأنها لم تتعب يوماً . حلب مثل سوريا كلها ، تحمل في صدرها وعداً خفياً لا يُرى بالعين ، لكن يُحس بالقلب وعد بأن الفجر سيأتي مهما طال الليل ، وأن الشمس ستمر فوقها كما مرت فوق كل المدن التي عرفت الحزن ثم عرفت الفرح .
وعد بأن الأذان سيعلو مرة أخرى بنبرة مطمئنة ، وأن الأسواق ستعود لتتنفس حياة الناس لا رائحة الرماد، وأن الأطفال سيكتبون أسماءهم على دفاتر المدارس بدل جدران الخوف . وعد بأن هذه المدينة التي تعبت من القتال ، وملّت من لغة الموت ، ستنهض يوماً كما كانت .. مدينة للحياة ، للموسيقى ، للحب ، ولصوت الإنسان وهو يعلن أنه أقوى من السلاح . سوريا وحلب قلبها النابض .. ليستا مجرد مكانين على خارطةٍ يراها العالم من بعيد .
هما قلب عربي كبير، يخفق رغم الجراح ، ويصلي رغم الدم، ويبتسم رغم الألم ، لأنه يؤمن أن الله لا يترك الضعيف حين يكون ضعفه شرفاً ، ولا يترك الجريح حين يكون جرحه شهادة . وستبقى سوريا .. تلك الفتاة النقية ، المغسولة بالدمع ، المعمدة بالصبر ، المنتصرة رغم الهزائم ، وستبقى حلب نبضها الدائم ، يوجعها نعم ، لكنه يثبت أنها حية .. وأن الروح التي لم تُقتل ، ستقود الجسد يوماً نحو حياةٍ أجمل وفجرٍ أوسع ، مهما طال الليل ومهما اشتدّت العاصفة .


