منذ تأسيسها، اعتمدت إسرائيل على مبدأ نقل المعركة إلى خارج حدودها، وتوجيه ضربات استباقية إلى خصومها كلما شعرت بأن ميزان القوى الإقليمي يتغير على نحو لا يخدم مصالحها الاستراتيجية . واليوم، ومع تصاعد التوتر بين إسرائيل وإيران، تبدو المنطقة أمام مرحلة جديدة من الصراع تتجاوز الحسابات التقليدية، وتفتح الباب أمام احتمالات أكثر تعقيدًا وخطورة . وفي قلب هذه المعادلة يبرز حزب الله بوصفه أحد أهم عناصر الردع الإقليمي، وربما الورقة الأكثر تأثيرًا في أي مواجهة مقبلة .
لقد شهدت السنوات الأخيرة سلسلة طويلة من الهجمات الإسرائيلية التي استهدفت مواقع إيرانية أو مرتبطة بإيران في أكثر من ساحة . وتبرر إسرائيل هذه العمليات بأنها دفاع عن أمنها القومي ومنع لخصومها من تطوير قدراتهم العسكرية . غير أن كثيراً من المراقبين يرون أن هذه السياسة لا تهدف فقط إلى حماية الأمن الإسرائيلي، بل إلى فرض واقع استراتيجي جديد يمنع أي قوة إقليمية من منافسة التفوق الإسرائيلي في المنطقة .
ويذهب منتقدو إسرائيل إلى اعتبار أن اعتمادها المكثف على الضربات الجوية والعمليات الاستخبارية والاغتيالات يعكس رغبة في تجنب المواجهات المباشرة والمتكافئة، والاعتماد بدلًا من ذلك على التفوق التكنولوجي والعسكري والدعم الغربي الواسع . ومن هذا المنطلق يصف البعض هذه العمليات بأنها شكل من أشكال الحرب غير المتكافئة التي تستفيد من اختلال موازين القوى أكثر مما تعتمد على مواجهة مفتوحة بين أطراف متساوية القدرة .
وفي المقابل، تنظر إيران إلى نفسها باعتبارها مستهدفة ضمن مشروع أوسع يهدف إلى إضعاف نفوذها الإقليمي وتقليص قدرتها على التأثير في ملفات الشرق الأوسط . ولذلك سعت خلال العقود الماضية إلى بناء شبكة واسعة من الحلفاء والقوى المتحالفة معها في عدد من الدول، وهو ما منحها أوراق ضغط متعددة تستطيع استخدامها في أوقات الأزمات والتصعيد .
ضمن هذه الشبكة، يحتل حزب الله موقعًا استثنائياً . فالحزب الذي تأسس في ثمانينيات القرن الماضي تحول مع مرور الوقت إلى أحد أكثر الفاعلين غير الحكوميين تأثيراً في المنطقة . وقد راكم خبرات عسكرية واسعة، وطوّر قدرات قتالية وتنظيمية جعلته لاعبًا أساسياً في معادلات الأمن الإقليمي، سواء على مستوى لبنان أو على مستوى الصراع مع إسرائيل .
إن الحديث عن حزب الله باعتباره “ورقة الحرب الجديدة” لا يعني بالضرورة أن قرار المواجهة قد اتُخذ، بل يشير إلى أن وجود الحزب وقدراته يشكلان عنصرًا حاضراً في حسابات جميع الأطراف . فإسرائيل تدرك أن أي مواجهة واسعة قد لا تبقى محصورة في حدود جغرافية ضيقة، وأن فتح جبهة الشمال يمكن أن يفرض عليها تحديات عسكرية وأمنية معقدة تختلف عن التهديدات التي واجهتها في مراحل سابقة .
ومن هنا يمكن فهم حجم الاهتمام الإسرائيلي بالتطورات على الحدود اللبنانية، والرسائل المتبادلة التي لا تتوقف بين الجانبين. فكل تصعيد ضد إيران يثير تساؤلات حول احتمالات توسع المواجهة، وكل تهديد يصدر من تل أبيب يقابله استعداد معلن من الأطراف الأخرى للتعامل مع مختلف السيناريوهات المحتملة .
ويرى عدد من المحللين أن إسرائيل تواجه معضلة استراتيجية حقيقية . فمن جهة، تسعى إلى الحد من النفوذ الإيراني ومنع طهران من تعزيز حضورها الإقليمي، ومن جهة أخرى تخشى أن يؤدي الضغط المفرط إلى ردود فعل قد تخرج عن نطاق السيطرة . فالحروب في الشرق الأوسط أثبتت مراراً أن بداياتها لا تشبه نهاياتها، وأن الحسابات العسكرية قد تصطدم بوقائع سياسية وميدانية غير متوقعة .
لقد تغيرت طبيعة الصراعات الحديثة بصورة كبيرة . فلم تعد الحروب تعتمد فقط على الجيوش النظامية والأسلحة التقليدية، بل أصبحت تشمل الحرب الإلكترونية، والمعارك الإعلامية، والقدرات الصاروخية الدقيقة، وشبكات التحالفات العابرة للحدود . وفي هذا السياق، يمثل حزب الله نموذجًا لقوة تجمع بين العمل السياسي والتنظيم العسكري والخبرة الميدانية، الأمر الذي يمنحه مكانة خاصة في معادلات الردع والتوازن .
وتكمن أهمية الحزب بالنسبة لإيران في كونه يشكل أحد أبرز عناصر الضغط غير المباشر . فبدلًا من الانجرار إلى مواجهة تقليدية واسعة، تستطيع طهران الاستفادة من شبكة علاقاتها وتحالفاتها لإيصال رسائلها السياسية والعسكرية بوسائل متعددة. وهذا ما يجعل أي تصعيد ضد إيران مرتبطاً تلقائياً بحسابات أكثر تعقيدًا من مجرد المواجهة الثنائية بين دولتين .
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن المنطقة دفعت أثماناً باهظة نتيجة الصراعات المستمرة . فالشعوب هي الطرف الأكثر تضرراً من الحروب، سواء عبر الخسائر البشرية أو الأزمات الاقتصادية أو موجات النزوح وعدم الاستقرار . ولذلك فإن أي حديث عن مواجهة جديدة يثير مخاوف حقيقية لدى ملايين المواطنين الذين يتطلعون إلى الأمن والتنمية بدلًا من جولات العنف المتكررة .
ومن الناحية السياسية، يبدو أن إسرائيل تراهن على استمرار الدعم الغربي لها في مختلف الظروف . وقد وفر هذا الدعم مظلة سياسية وعسكرية ساعدتها على تنفيذ استراتيجياتها الإقليمية لسنوات طويلة . إلا أن التحولات الدولية المتسارعة قد تجعل البيئة العالمية أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في السابق، خاصة مع بروز قوى دولية جديدة وتزايد التنافس بين الأقطاب الكبرى .
كما أن الرأي العام العالمي لم يعد يتعامل مع قضايا الشرق الأوسط بالطريقة نفسها التي كان يتعامل بها في العقود الماضية . فوسائل الإعلام الحديثة ومنصات التواصل الاجتماعي أتاحت مساحة أكبر لتعدد الروايات وتبادل المعلومات، وهو ما جعل المعركة الإعلامية جزءً أساسيًا من أي صراع سياسي أو عسكري .
وفي هذا الإطار، تحاول جميع الأطراف تقديم نفسها بوصفها الطرف المدافع عن الأمن والاستقرار، بينما تتهم خصومها بالسعي إلى التصعيد وإشعال المنطقة . غير أن الواقع أكثر تعقيدًا من هذه السرديات المتقابلة، إذ تتداخل المصالح الإقليمية والدولية بصورة تجعل من الصعب اختزال المشهد في رواية واحدة أو تفسير واحد.
أما على المستوى العسكري، فإن أي مواجهة واسعة بين إسرائيل ومحور حلفاء إيران قد تحمل نتائج غير مسبوقة . فالتطور الكبير في تقنيات التسليح، وانتشار الصواريخ والطائرات المسيّرة، واتساع ساحات الاشتباك المحتملة، كلها عوامل تجعل كلفة الحرب أعلى بكثير مما كانت عليه في الماضي . ولهذا السبب يعتقد كثير من الخبراء أن الردع المتبادل ما زال يمثل العامل الأهم في منع الانزلاق نحو حرب شاملة .
ورغم التصريحات المتشددة التي تصدر بين الحين والآخر، فإن معظم الأطراف تدرك أن الحرب المفتوحة قد تكون خيارًا بالغ الخطورة . فالتجارب السابقة أظهرت أن إشعال النزاعات أسهل بكثير من السيطرة على نتائجها، وأن الأزمات الكبرى كثيراً ما تنتج واقعاً مختلفاً تماماً عما خطط له صناع القرار .
ومن هنا تبرز أهمية العمل الدبلوماسي والمساعي الدولية الرامية إلى احتواء التوتر . فالحلول السياسية، مهما بدت صعبة أو بطيئة، تبقى أقل كلفة من المواجهات العسكرية التي قد تمتد آثارها لعقود طويلة . كما أن تحقيق الاستقرار في المنطقة يتطلب معالجة جذور الأزمات بدل الاكتفاء بإدارة تداعياتها الأمنية .
ومع ذلك، فإن استمرار الهجمات المتبادلة وارتفاع منسوب التهديدات يعني أن احتمالات التصعيد لا تزال قائمة. وفي حال استمرت الضغوط العسكرية والسياسية بالوتيرة نفسها، فقد تجد الأطراف نفسها أمام خيارات أكثر حدة مما ترغب فيه حالياً .
وفي خضم هذه المعادلة المعقدة، يبقى حزب الله عنصرًا حاضراً بقوة في الحسابات الاستراتيجية . فبالنسبة لمؤيديه يمثل قوة ردع تمنع إسرائيل من فرض إرادتها بالقوة العسكرية، بينما يراه خصومه عاملًا إضافيًا يزيد من احتمالات التوتر وعدم الاستقرار. وبين هذين التقييمين المتناقضين تستمر النقاشات حول دوره ومستقبله وتأثيره في توازنات المنطقة .
إن الشرق الأوسط يقف اليوم عند مفترق طرق حساس . فإما أن تنجح القوى الإقليمية والدولية في احتواء التصعيد وفتح مسارات جديدة للحوار، وإما أن تتجه المنطقة نحو مرحلة أكثر اضطرابًا تتوسع فيها ساحات الصراع وتزداد معها التحديات الأمنية والاقتصادية والإنسانية .
وفي النهاية، فإن الحديث عن حزب الله كورقة حرب جديدة لا يتعلق فقط بالقدرات العسكرية أو الحسابات الميدانية، بل يعكس طبيعة الصراع الأوسع الدائر في المنطقة . إنه صراع على النفوذ، وعلى موازين القوى، وعلى شكل النظام الإقليمي في السنوات المقبلة. وبينما تتواصل الضربات والتهديدات والتجاذبات السياسية، يبقى السؤال الأهم: هل ستنتصر لغة القوة، أم تفرض المصالح المشتركة منطق التسويات قبل فوات الأوان ؟


