ترجمة الدكتور مهند طالب الحمدي
إن أتباع نظرية المحصلة الصفرية، القائلة بأن الأغنياء أغنياء فقط لأنهم أخذوا شيئًا من الفقراء، لا يستطيعون تفسير سبب الانخفاض الهائل في عدد الفقراء في الوقت نفسه الذي ارتفع فيه عدد الأغنياء بشكلٍ هائل، كما يقول الأستاذ راينر زيتلمان.
“الأغنياء يزدادون ثراءً والفقراء يزدادون فقرًا” – عبارةٌ نادرًا ما تم تكرار ذكر عباراتٍ أخرى كما تكرر ذكرها، ولذلك يؤمن بها الكثيرون. بل يعتقد الكثيرون بوجود صلة بين المسارين، أي أن الفقراء يزدادون فقرًا لأن الأغنياء يزدادون ثراءً. وهذا ما يُسمى بنظرية المحصلة الصفرية.
قبل ظهور الرأسمالية، أي قبل حوالي 200 عام، كان ما يقرب من 80 إلى 90% من سكان العالم يعيشون في فقرٍ مُدقع. وبفضل تطور الرأسمالية، انخفضت هذه النسبة إلى النصف تقريبًا بحلول عام 1990. وفي عام 1990، قدّر البنك الدولي أن حوالي 2.3 مليار شخص كانوا يعيشون في فقر مدقع، أي ما يعادل حوالي 43% من سكان العالم في ذلك الوقت.
ويمكن ملاحظة انخفاض حاد في عدد الفقراء بشكلٍ خاص بدءًا من تسعينيات القرن الماضي وما تلاها. أدى انهيار الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي ودول الكتلة الشرقية، وبدء الإصلاحات الرأسمالية في دول مثل الصين وفيتنام، إلى انخفاض في نسبة وعدد الأشخاص الذين يعيشون في فقٍر مدقع. حوالي العام 2015، بلغ العدد العالمي للفقراء حوالي 700 مليون شخص، أي أقل من 10% من سكان العالم لأول مرة؛ وفي عام 2022، بلغت النسبة حوالي 9%.
في حزيران (يونيو) 2025، رفع البنك الدولي مستوى خط الفقر الدولي بنحو 40%، مما رفع معدل الفقر إلى نحو 10.5% من سكان العالم. ويقدر البنك الدولي أن حوالي 831 مليون شخص يعيشون في فقرٍ مدقع بحلول عام 2025 وفقًا لطريقة الحساب الجديدة. ويزيد هذا الرقم بنسبة 50% عما كان سيصل إليه لو لم يغير البنك الدولي طريقة حسابه، ولكنه رفع مستوى خط الفقر بما يتماشى مع ارتفاع التضخم ليس إلا. ووفقًا للطريقة القديمة في الحساب، كان عدد الفقراء سيبلغ 540 مليون شخص، أي حوالي 6.5% من سكان العالم. وبالتالي، فإن الزيادة الأخيرة إلى 10.5% ترجع في المقام الأول إلى طريقة الحساب المُعدّلة – فالفقر الفعلي أقلُ من أي وقتٍ مضى.
ولكن ماذا عن نمو عدد الأغنياء؟ منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي، ارتفع عدد المليارديرات حول العالم بشكلٍ حاد. في بداية ذلك العقد، لم يكن هناك سوى بضعُ مئاتٍ من الأفراد حول العالم بثروة صافية لا تقل عن مليار دولار. تُظهر القوائم التي نشرتها مجلة فوربس آنذاك أن عدد المليارديرات كان لا يزال أقل بكثير من 500 شخص. بعد انهيار الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية، ونهاية الاشتراكية الماوية والإصلاحات الرأسمالية في الصين وفيتنام والهند ودول أخرى، ارتفع العدد بشكلٍ ملحوظ ليصل إلى حوالي 470 شخصًا حوالي عام 2000.
في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تسارع النمو أكثر: بحلول منتصف العقد، كان عدد المليارديرات حوالي 700، وارتفع إلى ما يقرب من 1,000 قبل فترةٍ وجيزة من الأزمة المالية 2007/2008. تسببت الأزمة المالية في انخفاضٍ مؤقت، ولكن منذ أوائل عشرينيات القرن الحادي والعشرين، تراوح عدد المليارديرات بين 2,000 وحوالي 3,000 شخص، متجاوزًا مؤخرًا حاجز الآلاف الثلاثة. إجمالاً، زاد عدد المليارديرات حول العالم ستة أضعاف تقريبًا منذ عام 1990.
القيمة الحقيقية للثروة
ومع ذلك، يجب الأخذ في الاعتبار أن القيمة الحقيقية للثروة قد تغيرت أيضًا. فمليار دولار أمريكي في عام 1990 يعادل، بعد تعديله وفقًا للتضخم، حوالي 2.5 مليار دولار أمريكي بالأسعار الحالية. وبالتالي، فإن من امتلك ثروة قدرها مليار دولار أمريكي في عام 1990 سيحتاج إلى امتلاك ما يزيد عن ملياري دولار أمريكي اليوم ليتمتع بالقدرة الشرائية الحقيقية نفسها. وبما أن عدد المليارديرات قد تضاعف ستة أضعاف تقريبًا منذ عام 1990، فلا يُمكن تفسير ذلك بارتفاع مستوى التضخم بشكلٍ أساسي.
الخلاصة: بفضل نهاية الاشتراكية وتطبيق الإصلاحات الرأسمالية في دولٍ مثل الصين والهند وفيتنام، انخفض عدد الفقراء حول العالم انخفاضًا حادًا منذ التسعينيات، بينما ارتفع عدد المليارديرات بشكلٍ كبير. في عهد ماو تسي دونغ، كان 88% من أبناء الشعب الصيني يعيشون في فقرٍ مدقع؛ واليوم، تقل النسبة عن 1%. وخلال الفترة نفسها، ارتفع عدد المليارديرات في الصين من صفر إلى أكثر من 500 شخص.
لا يستطيع أتباع نظرية المحصلة الصفرية – وهي فكرة أن الأغنياء أغنياء فقط لأنهم أخذوا شيئًا من الفقراء – تفسير سبب الانخفاض الهائل في عدد الفقراء بينما ارتفع عدد الأغنياء بشكلٍ هائل. السبب في كلا التطورين هو نفسه: النمو الاقتصادي الذي مكّنته الرأسمالية.
*الدكتور راينر زيتلمان: عالم اجتماع ومؤرخ ألماني ومؤلف كتاب كيف تخرج الأمم من الفقر.


