في أوروبا والولايات المتحدة، يدور نقاش حول ما إذا كانت تصرفات الولايات المتحدة واعتقال نيكولاس مادورو، رئيس فنزويلا، تتوافق مع القانون الدولي – وبالطبع، هذا أمرٌ قابلٌ للنقاش.
تزعم الولايات المتحدة أن نيكولاس مادورو ليس رئيسًا شرعيًا لفنزويلا. وهذا صحيح: فقد زوّر الانتخابات بشكلٍ كبير في تموز (يوليو) 2024. بعد الانتخابات بفترةٍ وجيزة، التقيتُ أدريانا فلوريس ماركيز، وهي ناشطة ليبرتارية كانت نشطة في المعارضة في فنزويلا وعملت عن كثب مع ماريا كورينا ماتشادو، التي حصلت على جائزة نوبل للسلام عام 2025. فرّت ماريا أيضًا إلى الأرجنتين، حيث التقيتُ بها. وقالت إن مرشح المعارضة (لم يُسمح لماتشادو نفسها بالترشح) حصل على حوالي 70% من الأصوات.
تزعم الولايات المتحدة أن نيكولاس مادورو يتاجر بالمخدرات ويهربها عبر الحدود، ولذلك تم اعتقاله. وهذا الأمر معروف منذ سنوات: فالاشتراكيون في فنزويلا يكسبون أموالهم بشكلٍ أساسي من تجارة المخدرات، في حين أن لا شيء آخر يعمل في البلاد التي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية في العالم.
بالنسبة للكثيرين في فنزويلا اليوم، فإن أهم شيء هو: أن الديكتاتور لم يعد في البلاد. نشر صديقي دانيال دي مارتينو تغريدة على منصة أكس اليوم الساعة 6:30 صباحًا بتوقيت نيويورك قال فيها: “لقد فعلتها. دونالد ترامب. شكرًا لك. شكرًا لك. شكرًا لك.” وبعد ذلك بوقت قصير، نشر تغريدة أخرى تقول: “أحداث عظيمة تحدث في فنزويلا!”
يعيش دانيال دي مارتينو في الولايات المتحدة منذ عدة سنوات؛ لقد فرّ من فنزويلا، مثل الكثيرين من الفنزوليين غيره. فرّ ما رمن ثمانية ملايين شخص من فنزويلا – أي واحد من كل ثلاثة. للمقارنة، منذ بداية الغزو الشامل لأوكرانيا، فرّ حوالي ستة ملايين أوكراني؛ وبالنسبة لعدد السكان، فإن هذا العدد لا يمثل حتى نصف نسبة الذين فروا من فنزويلا. ومن بين الذين بقوا في فنزويلا، يعيش أكثر من 70% في حالة فقر.
هذه هي حصيلة 25 عامًا من الاشتراكية في فنزويلا. في عام 1970، كانت فنزويلا لا تزال أغنى دولة في أمريكا اللاتينية وواحدة من أغنى 20 دولة في العالم. وكان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي أعلى من نظيره في إسبانيا أو اليونان أو إسرائيل، وأقل بنسبة 13% فقط من نصيب الفرد في المملكة المتحدة.
بدأ تدهور هذا البلد الواقع في أمريكا الجنوبية في ذلك العقد. وكان من بين أسباب هذه المشاكل الاعتماد الشديد على ريع النفط. وتضافرت عوامل أخرى، أبرزها سوق العمل المفرط في التنظيم، والذي ازداد تقييدًا منذ عام 1974 بفعل تبني لوائح جديدة بشكلٍ متواصل. ولم يشهد أي بلد آخر في أمريكا اللاتينية – أو في العالم – سوق عمل محاط بشبكة كثيفة من اللوائح كحالة فنزويلا.
كان الكثير من الفنزويليين يأملون أن يحل الزعيم الاشتراكي الكاريزمي هوغو تشافيز، الذي وصل إلى السلطة عام 1999، مشاكل البلاد من فسادٍ، وفقر، وتدهور اقتصادي. لم يكن هوغو تشافيز مجرد منارة أمل للعديد من الفقراء في فنزويلا فحسب، بل أيقظ أيضًا التطلعات الطوباوية لليسار في أوروبا وأمريكا الشمالية بشعار “اشتراكية القرن الحادي والعشرين“. الآن، بينما يعيش الفنزويليون في فقرٍ مدقع، يقول الاشتراكيون ما يقولونه بعد كل تجربة اشتراكية فاشلة: إن فنزويلا لم تكن دولة اشتراكية حقيقية قط.
أولئك الذين يُظهرون عادةً التزامًا كبيرًا تجاه اللاجئين، كانوا غير مبالين بإحدى أكبر موجات النزوح في العقود الأخيرة. تلك هي هجرة ملايين الفنزوليين بسبب سياسات هوغو تشافيز ونيكولاس مادورو الاشتراكية التي أفقرت البلاد وأجاعت العباد. كيف كان سيكون رد فعل وسائل الإعلام لو فرّ الناس من الأرجنتين في عهد خافيير ميلي؟ لكن لا أحد يفرّ من هناك، لأنه، على عكس فنزويلا، انخفض الفقر في الأرجنتين، وتُكفل فيها الحقوق المدنية الكاملة – وهي الحقوق نفسها التي ألغاها الاشتراكيون في فنزويلا.
آمل ألا يخيب أمل دانيال دي مارتينو والآخرين من الفنزوليين، وأن يحصل الشعب الفنزويلي أيضًا على فرصة لبداية جديدة. لكن هذا ليس مؤكدًا على الإطلاق، لأن العصابة الاشتراكية الحاكمة المجرمة لطالما امتلكت حلفاء أقوياء، وعلى رأسهم فلاديمير بوتين. من السخافة بمكان أن يشتكي هذا المعتدي ومجرم الحرب نفسه الآن من انتهاك الولايات المتحدة للقانون الدولي.
*الدكتور راينير زيتلمان: عالم اجتماع ومؤرخ ألماني. كتب فصلُا للمقارنة بين مأساة اقتصاد فنزويلا وانتعاش اقتصاد تشسلي في كتابه: قوة الرأسمالية.


