تمهيد الاعتراف
إن أول إخفاق مني به الأمير فيصل، ومن ورائه العرب، كان في مؤتمر الصلح في العام 1919. فقد اصطدم مطلب الاستقلال، باتفاقية سابقة (سايكس-بيكو 1916)، وهذه مع ترتيبات المنتصرين في مابعد الحرب العالمية الأولى. بينما نجح وايزمن واليه/ود.
فهل كان هذا النجاح نتيجة “مؤامرة” على العرب ؟
نتحدث عن حقبة كولنيالية كان التنافس فيها على أشده بين القوى الأوروبية التي استفادت من مخرجات الثورة الصناعية، في مد سلطانها على أرض المعمورة، وانشاء مستعمرات في أميركا اللاتينية، وافريقيا، واسيا، ولاسيما الشرق الأوسط. وما رافقه من صعود الحركات القومية الأوروبية، والتي ركزت على اللغة والثقافة والتعليم، ووصلت إلى ذروتها في القرن التاسع عشر. ومع تطور هذه الحركات، أصبحت الهوية الوطنية محورًا أساسيًا في السياسة الأوروبية، وأدى ذلك إلى تشكيل دول قومية جديدة في أوروبا بنهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
إن التعصب والكره الذي رافق هذا الصعود القى بحمله على اليهود الاشكناز. ففي الوقت الذي كانت أحوالهم مناسبة إلى حد ما في فرنسا وبريطانيا، كانت بائسة في روسيا وأوربا الشرقية.
وقد ابتدأت المشكلة في بولندا حيث كان الي/هود يؤلفون نسبة من السكان أعلا منها في أي بلد آخر في العالم. فقد كانوا يعدون ثلاثة ملايين، أي عشرة في المائة من مجموع السكان.. ، وغالبيتهم من الطبقة الوسطى. (مفارق الطرق إلى اsرايل، كريستوفر سايكس، ص143). وقد تعرض هؤلاء إلى اضطهاد من قبل السلطة والمجتمع الذي عاشوا فيه. وربما كانت روسيا واحدة من أكثر الدول تعرضا للي/هود، حيث قامت اعمال شغب ضدهم (البوغروم/يشبه إلى حد ما الفرهود عندنا)، فنهبت ممتلكاتهم، وقتل العديد منهم، ولاسيما في تسعينيات القرن التاسع عشر. واستمر الوضع بعد الحقبة القيصرية، حينما صعد الشيوعيون إلى السلطة في العام 1917، على الرغم من بعض التعديلات التي تم اتخاذها مثل إلغاء التمييز السياسي والقانوني. إضافة إلى ما عانوه في اوكرانيا (كانت جزء من روسيا آنذاك)، ورومانيا، وهنكاريا(المجر).
تميز العمل المنظم للحركة، والسعي إلى إيجاد حلفاء أوروبيين يدعمون الأهداف الص/يونية، من خلال استغلال مشاعر الكراهية(معاداة السامية) والاضطهادات، وقوتهم الاقتصادية، إضافة إلى اعتمادهم على حقهم التاريخي في ارض فلسطين.
في المقابل كانت فلسطين ومع الإصلاحات الإدارية في القرن التاسع عشر، تُدار كجزء من ولايتي بيروت ودمشق، مع تقسيم إداري داخلي يخص القدس. وقد عقد الفلسطينيون سبعة مؤتمرات مابين سنتي 1919 و 1928، وحددوا في المؤتمر الأول مبادئ الحركة الوطنية في ميثاق قومي رفض اعلان بلفور، والهجرة الص/هيونية إلى فلسطين، والانتداب البريطاني، وطالب بالاستقلال التام ضمن الوحدة العربية.. ، وبدأ وهج حماسة المؤتمرات وثوريتها يخفت مع عقد المؤتمر الرابع في القدس، في منتصف سنة 1921، وذلك في ظل تصاعد حدة صراع القيادات العائلية في تلك الفترة. وجاءت توصيات المؤتمر السابع في سنة 1928 -اخر تلك المؤتمرات- لتحمل تراجعا وطنيا واضحا مقارنة بمخرجات المؤتمرات التي سبقته، إذ بينما رفضت توصيات المؤتمر السادس الانتداب وطالبت بالاستقلال، فإن توصيات المؤتمر السابع اكتفت بالمطالبة بمجلس تمثيلي… ، بينما كان اليهود يرفضون المشاركة في أي مجلس من هذا النوع لعدم امتلاكهم الأغلبية في البلد. (سنية الحسيني، تشكل الكيانية الفلسطينية، مجلة الدراسات الفلسطينية على شبكة الإنترنت).
تخبرنا العقلية التي انتظمت من أجل الهجرة إلى أرض الميعاد، إن القوم جاءوا بحثا عن وطن يجمعهم، أسوة بباقي القوميات الاوربية، وليس إلى مجرد استيطان بدوافع دينية، أو اقتصادية. كما حدث من قبل. فبحسب الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية على شبكة الإنترنت، فإن الموجة الأولى للهجرة اليهودية إلى فلسطين
1882-1903 كانت معظمها من اوربا الشرقية،
وقبل أن تتدخل الحركة الصه/يونية في تنظيم هجرات مكثفة، حيث كان مؤتمر الحركة الص/يونية الاول قد حدث في العام 1897.
وضمت فلسطين انذاك مجتمعات يهودية راسخة في القدس، والخليل، وطبريا، وصفد. إذ بلغ عدد أفرادها الإجمالي حوالي 24,000. يستقر جزء منهم في المناطق الريفية حيث ينشؤون مشاريع زراعية بفضل المساهمات المالية الضخمة لليهود الاوربيين الأثرياء.
وتخبرنا البيانات الإحصائية للمستعمرات اليه/ودية التي انشئت في العهد العثماني في فلسطين. ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر، وحتى العام 1913. أنها قد بلغت 24 مستعمرة، وزعت على أقضية صفد، والناصرة، وطبريا، وحيفا. ومجموع سكانها 16,560. ولم تكن عكا وبيسان قد استعمرت بعد. (نقلا عن وكالة وفا للانباء والمعلومات الفلسطينية على شبكة الإنترنت).
إلا أن الموجة الثانية 1904-1914 التي نظمتها الحركة الص./يونية شهدت قدوم حوالي 40,000 مهاجر. أدت إلى ازدياد النزاعات بين المستعمرات اليهودية والجماعات الريفية العربية المجاورة بشأن ملكية الأراضي وحقوق استئجارها. في حين إن الموجة الثالثة 1919-1923، التي وصلت فلسطين تقدر حوالي 35,000 وذلك في أعقاب رحيل نحو ثلث السكان اليهود إلى خارج فلسطين بين العامين 1914-1918. وهو تراجع مؤقت بسبب مجريات الحرب. وسوف يتم تعويضه أضعاف في الموجتين الرابعة والخامسة.
اعترفت عصبة الأمم بالحقوق الص/هيونية في فلسطين في 20 يوليو 1922، عندما أقرت الانتداب البريطاني على فلسطين. هذا القرار جاء بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، ونتيجة لالتزام بريطانيا بوعد بلفور، والذي دعم إنشاء “وطن قومي للشعب اليهودي” في فلسطين. وبذلك تحققت الاماني ابتداء من وعد بلفور 1917، مرورا بمؤتمر الصلح1919، وليس اخرا باعتراف عصبة الأمم 1922.


