شيزوفرينيا واشنطن: الجلاد الأميركي يرتدي ثوب الضحية هرباً من الحساب المحتوم

شيزوفرينيا واشنطن والجلاد الأميركي بثوب الضحية
قراءة ساخرة في شيزوفرينيا واشنطن، من تسريبات تهديد ترامب إلى البصمة الإسرائيلية، واستغلال دراما الاغتيال كورقة تفاوض وضغط إعلامي...

شيزوفرينيا واشنطن وصناعة دور الضحية

الحديث عن تصعيد غير مسبوق في لغة الخطاب الدولي ليس سوى توصيف مهذب للأكاذيب الهوليودية المعتادة. فالقصة، في جوهرها، أن نزيل البيت الأبيض دونالد ترامب قرر فجأة أن يتخلى عن دور رعاة البقر المتبخترين بأسلحتهم، ليرتدي ثوب الضحية المذعورة.

لقد أعلن ترامب، بملء فمه الممتلئ بالتهديدات، أنه بات الهدف رقم واحد على قائمة الاغتيالات الإيرانية. وهنا تبدأ شيزوفرينيا واشنطن: رجل يوزع أوامر القتل والتدمير حول العالم، ثم يظهر أمام الإعلام طالباً التعاطف، كأنه لم يكن يوماً جزءاً من آلة العنف الكبرى.

الرجل الذي اعتاد لغة الوعيد يعيش اليوم حالة من الهستيريا السياسية والإعلامية. يهدد بإطلاق آلاف الصواريخ الجاهزة نحو طهران لمجرد أن تسريباً أمنياً أو شائعة استخباراتية مرت بجانب منامه السياسي.

لكن من يملك الجرأة على التهديد ليلاً ونهاراً، لا يملك الحق في التباكي أمام وسائل الإعلام، ولا في استجداء عطف الرأي العام كمن يخاف من ظلّه.

التسريب المسرحي وقلب الحقائق

هذا التسريب الفاضح والتصعيد المسرحي المتزامن لا يحتاجان إلى عباقرة في الجيوسياسية لفهم غاياتهما. فالمخاوف المعلنة ليست خوفاً شجاعاً أو قلقاً بريئاً، بل تبدو شماعة سياسية وعسكرية مكشوفة، وفيلماً أميركياً محروق السيناريو.

إنها محاولة بائسة لقلب الحقائق وترسيخ معادلة مقلوبة. ففي هذه المعادلة، يصور الجلاد الأميركي والعالمي نفسه حملاً وديعاً مهدداً بالافتراس، كي يبرر أمام شعبه والعالم أي حماقة عسكرية قادمة أو ضربة غادرة ضد إيران.

هذا هو الهروب إلى الأمام عبر صناعة عدو يهدد رأس الإمبراطورية. والغاية هي تمرير أجندات معقدة، وتغطية الفشل في إخضاع المنطقة عبر الحصار والضربات بالوكالة.

تتوهم واشنطن أن التباكي ورفع سقف التهديد الصاروخي يمكن أن يغسلا دماء الأبرياء من يديها. كما تتوهم أن ذلك يمنحها تفويضاً أخلاقياً لشن عدوان جديد، مع أنها تدرك أن كلفته ستكون أغلى بكثير من حساباتها السطحية.

كوابيس أبو إيفانكا

من قال إن مخاوف هذا الرجل مجرد أوهام؟ بل هي انعكاس مباشر لمأزق سياسي وأمني صنعته يداه. فقد دخل ترامب في مواجهة مع محور لا ينسى ذاكرته الدموية، ويدرك تماماً أن من أمر باغتيال الحاج قاسم سليماني عام 2020 وضع نفسه في دائرة قلق دائم.

المسألة عند الإيرانيين وخط المقاومة ليست زعلاً سياسياً ينتهي بتبادل السفراء. إنها ملف دم وسيادة وذاكرة مفتوحة، تحولت إلى قضية شعبية وعقائدية حاضرة في الخطاب العام.

ولعل المفارقة الساخرة أن الهتافات الشعبية الواسعة التي خرجت في مناسبات سياسية ودينية مختلفة لم تعد تكتفي بالشعارات العامة. بل باتت تضع اسم ترامب ونتنياهو في قلب خطاب المحاسبة التاريخية والسياسية.

تخيل حال ترامب وهو يقرأ ترجمة تلك الهتافات، ويدرك أن صورته لم تعد مرتبطة عند تلك الجماهير برئيس أميركي عابر، بل برمز مباشر لسياسات الاغتيال والحصار والعدوان.

التقارير الإسرائيلية وتضخيم الرعب

لأن المخرج الإسرائيلي يتقن فن صب الزيت على النار، سارعت استخباراته إلى رفع تقارير مرعبة لواشنطن. وتقول هذه التقارير إن النوايا الإيرانية تحولت إلى خطط عملية تستهدف رأس الهرم الأميركي.

وهنا بلغت الكوميديا ذروتها. فبدلاً من معالجة أصل الأزمة، لجأ جهاز الخدمة السرية الأميركي إلى إجراءات احترازية لافتة، من بينها الحديث عن تغيير الطائرة الرئاسية أو تبديل مسارات الحماية.

وكأن الصواريخ الدقيقة، في المخيال الأمني الأميركي، ستقف حائرة في السماء وتسأل عن رقم الطائرة قبل أن تقرر وجهتها. هذا التخبط الاحترازي يكشف أن إمبراطورية الاستكبار باتت تبحث عن تمويه الطائرات، هرباً من كلفة القرارات التي صنعتها بنفسها.

أما حكاية النجاة السابقة وحادثة بنسلفانيا عام 2024، التي يتفاخر بها ترامب ويرى فيها عناية استثنائية، فقد تحولت في عقله وعقل فريقه إلى مصدر شك وقلق مضاعف.

لقد صار أي تسريب استخباراتي يُقرأ برعب طفولي، لأنهم يدركون أن لعبة التصعيد ليست بلا ثمن، وأن الحساب السياسي والتاريخي لا يسقط بمجرد تبديل الطائرات أو تغيير البروتوكولات.

دراما الاغتيال كورقة تفاوضية

من قال إن واشنطن تبكي حقاً على حياة رئيسها المحبوب أبو إيفانكا؟ المسألة، بعيون العارفين، تبدو طبخة سياسية أُخرجت من مطابخ هوليوود بتوقيت مدروس جداً.

فالهدف الأول هو صناعة مظلومية أميركية مفبركة لشرعنة انهيار الهدنة. الأوضاع في مضيق هرمز مشتعلة، والضربات المتبادلة فوق المواقع الإيرانية والخليجية جعلت اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت يترنح.

ولأن ترامب يريد التملص من هذا الاتفاق، ومواصلة مسيرته العدوانية من دون محاسبة في الكونغرس، وجد في رواية التهديد الشخصي ذريعة قانونية وأخلاقية مريحة.

إنها محاولة لشن ضربات عسكرية واسعة النطاق تحت شعار الدفاع الاستباقي عن رأس القيادة. وكأن لسان حاله يقول: أنا لا أعتدي على أحد، بل أحمي نفسي من أخطار صنعتها سياساتي.

الضغط على إيران عبر الضجيج الإعلامي

الهدف الثاني هو استخدام الشوشرة الإعلامية كسلاح بائس في مفاوضات متعثرة. فإيران ثابتة على شروطها، ولا تمنح الأميركيين صكوك طاعة مجانية.

وفي لحظة الإفلاس التفاوضي، يسحب ترامب ورقة التهديد بالاغتيال، ليصنع منها سقفاً هجومياً هوليودياً. يريد بذلك إرعاب طهران وإجبارها على تقديم تنازلات جوهرية.

لكنه ينسى أن التلويح بالتدمير الشامل، تحت ذريعة حماية حياته الثمينة، لا يرعب قوماً بنوا خطابهم على الصمود والتضحية. لذلك تبدو المناورة مكشوفة، وتظهر فيها أميركا بمظهر القوي المتغطرس، وهي في العمق قلقة من ثبات الطرف المقابل.

هنا تتجلى شيزوفرينيا واشنطن مرة أخرى. فهي تهدد وتستجدي، تضغط وتتباكى، تصعد وتزعم أنها الضحية.

مسرحية تسريبات السيرك الكوني

من يظن أن هذه التسريبات خرجت على شاشات سي إن إن وجرائد أميركا بالصدفة، أو بفعل شطارة صحفية، فهو واهم يعيش في غيبوبة سياسية. فالمخرج خلف الكواليس يطبخ أهدافاً خفية بملعقة هوليودية مفضوحة.

الفصل الأول من المسرحية يقوم على نكتة الردع الاستباقي. يخرج أبو إيفانكا متبختراً ليعلن للعالم، بأسلوب أفلام الكاوبوي، أن الجيش مستعد لإطلاق ألف صاروخ فوراً إذا تحركت نملة إيرانية في اتجاهه.

تحاول واشنطن صناعة معادلة ردع نفسية، تربط فيها سلامة شعر ترامب الأشقر بمصير المنشآت الحيوية في إيران. لكن هذا التهديد لا يدل على قوة صلبة، بل يكشف فوبيا سياسية من خصم لا تهزه قعقعة السلاح بسهولة.

الداخل الأميركي وصناعة القائد المستهدف

الفصل الثاني يتعلق بالداخل الأميركي والالتفاف حول القائد المستهدف. فجأة، يتحول ترامب من رئيس تحاصره الأزمات والانتقادات إلى المستهدف الأول من أعداء الأمة.

هذه محاولة مكشوفة لاستدرار عطف الناخبين، وإسكات الأصوات المعارضة لسياساته الخارجية المتخبطة في الشرق الأوسط. إنهم يصنعون منه بطلاً قومياً مظلوماً، كي يحصل على تفويض شعبي مجاني يسمح له باللعب بالنار في المنطقة.

فالخوف الشخصي هنا يتحول إلى أداة سياسية. والتهديد الأمني المزعوم يصبح وسيلة لإعادة ترتيب الجمهور الأميركي حول زعيم يريد أن يظهر قوياً حتى وهو يتحدث بلسان الضحية.

البصمة الإسرائيلية في تسريبات واشنطن

أما الفصل الثالث، فهو البصمة الإسرائيلية الواضحة وضوح الشمس. فالتقارير الممررة من تل أبيب إلى واشنطن حول دقة التهديد الإيراني ليست سوى إسفين سياسي، هدفه جرّ أميركا إلى مواجهة شاملة ونقطة لا عودة.

الصهاينة، الذين يرتعدون خلف جدرانهم من صواريخ المقاومة، يلعبون على وتر حساس في العقل الأميركي، وهو الأمن الشخصي للرئيس. ومن خلال هذا الوتر، يحاولون توريط الجيش الأميركي في ضربة قاسية للمنشآت الإيرانية نيابة عنهم.

إنها محاولة مكشوفة للاستحمار السياسي، حيث يحاول الذيل الإسرائيلي أن يهز الكلب الأميركي الأكبر. لكن هذه الألاعيب، مهما جرى تضخيمها إعلامياً، لا تغير حقيقة أن تبادل الأدوار بين الجلاد والضحية لم يعد ينطلي حتى على الأطفال.

خاتمة السيرك: حين يعجز المخرج عن تغيير النهاية

في نهاية هذا العرض المسرحي الطويل، يبدو واضحاً أن جدران واشنطن المنيعة، وتقارير تل أبيب الملغومة، وطائرات التمويه الحديثة، لن ترمم الشروخ التي أحدثها الرعب في قلب الإمبراطورية العجوز.

لقد سقطت الأقنعة وتهاوت فصول الدراما الهوليودية. فلا التباكي وصناعة مظلومية الرجل المستهدف منحت ترامب صك الغفران عن جرائمه السابقة، ولا حكاية الألف صاروخ نجحت في صياغة معادلة ردع تُخيف محوراً يرى في الصمود طريقه الوحيد.

المعادلة اليوم أعمق من حسابات الصناديق الانتخابية الأميركية أو المناورات التفاوضية المتعثرة. فهي، بالنسبة لمحور المقاومة، ملف دم وسيادة وذاكرة لا يذوب مع مرور السنوات.

وما بين ذعر أبو إيفانكا ومكائد الذيل الصهيوني الذي يحاول هز الكلب الأميركي، يبقى القرار السياسي والعقائدي لدى هذا المحور ثابتاً: دماء الشهداء ليست مادة للمساومة، وملف المحاسبة لم يغلق.

ليطلقوا ما شاؤوا من تسريبات عبر سي إن إن، وليغيروا الطائرات والخطط كما يريدون. قطار القلق الذي يستقله ترامب لن يتوقف بسهولة، ولن ينجح الجلاد في لعب دور الضحية طويلاً.

فالأيام بيننا، والتاريخ لا يكتبه المخرجون في واشنطن وحدهم، بل تصنعه أيضاً ذاكرة الدم، وموازين القوة، ولحظة الحساب السياسي التي لا يملك أحد أن يؤجلها إلى الأبد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *