ما هي معطيات التنوير ومعوقاته في عالمنا العربي؟

التنوير العربي ومعطياته ومعوقاته في عالمنا
قراءة في معطيات التنوير العربي ومعوقاته، من شعارات الحرية والعدالة والمواطنة إلى أزمة الحوامل الاجتماعية والنخب الحاكمة والنقل الميكانيكي للتنوير الغربي...

التنوير العربي بين الشعارات والواقع

يمثل التنوير العربي، في حقيقة أمره، دعوة إلى تطبيق شعارات الحرية والعدالة والمساواة، وإلى بناء حياة سياسية واجتماعية تقوم على المواطنة،

والعقلانية، واحترام الإنسان وحقوقه الأساسية. ولا ينفصل هذا المشروع عن الحاجة إلى وضع دساتير وضعية للبلاد، تتناسب مع تطلعات الشعوب في الخروج من التخلف،

وتأسيس دولة حديثة تعترف بالتعددية، وتعيد تنظيم العلاقة بين الفرد والمجتمع والسلطة.

كما يقوم هذا المشروع على التخلص من الأمية، وتعميم المدارس، ونشر التربية والتعليم بين أفراد الشعب،

لأن النهضة لا يمكن أن تقوم على مجتمع تغيب عنه المعرفة. ومن هنا، يصبح التعليم قاعدة أساسية لأي مشروع تنويري جاد، لا مجرد قطاع إداري تابع للدولة.

معطيات التنوير العربي

تتجلى معطيات التنوير في تطوير الاقتصاد عبر تنمية الزراعة والصناعة والتجارة، وفي المطالبة بحرية الرأي والصحافة،

والتأكيد على حرية المرأة ومساواتها بالرجل، ومحاربة الاستعمار بكل أشكاله وأساليبه.

كذلك يرتبط التنوير بالدعوة إلى العلمانية، والحد من نفوذ القوى التقليدية في المجتمع العربي، مثل العشائرية والطائفية والقبلية والمذهبية، وما يتصل بها من عقلية الفرقة الناجية.

ولا يكتمل التنوير العربي من دون نشر الممارسة الديمقراطية السياسية والاجتماعية وتعميقها،

والتصدي للفكر الرجعي والامتثالي الذي يوقف حركة التاريخ، ولا يؤمن بالتعددية أو احترام الرأي والرأي الآخر.

فالتنوير لا يعني تبديل الشعارات فقط، بل يعني إعادة بناء علاقة الإنسان بالعقل، والحرية، والمعرفة، والدولة، والمجتمع.

كما يتطلب المشروع التنويري العمل على نشر الفكر العقلاني والعلماني وتعميقه،

مع التمسك بالقيم الدينية العقلانية السمحة، ومحاربة التجزئة والاستغلال الاجتماعي والاقتصادي،

والسعي إلى تطبيق العدالة. والأهم من ذلك، فهم العلمانية بوصفها دعوة إلى عدم إقحام الدين في السياسة،

ولا سيما في الدول والمجتمعات المتعددة الديانات والمذاهب والفرق والطوائف الدينية.

ومن هذه القضايا جميعاً تشكلت المعطيات الفكرية للمشروع التنويري النهضوي،

الذي أراد أن ينقل المجتمع العربي من حالة التبعية والتخلف إلى حالة المشاركة الواعية في صناعة التاريخ.

معوقات التنوير في عالمنا العربي

إذا كانت معطيات التنوير في واقعنا العربي تتمثل في حواملها الاجتماعية النخبوية،

وفي شعاراتها ورؤاها وأفكارها، وكذلك في ظروفها الموضوعية والذاتية، فإن معوقات التنوير تكمن، في رأيي، في طبيعة هذه المعطيات ذاتها، وبخاصة على مستوى حواملها الاجتماعية.

فهذه الحوامل لم تستطع أن تقدم مشروعاً فكرياً متكاملاً ومتجانساً،

بل لم تتمكن أيضاً من إنتاج مشروع منسجم مع ذاته ومع الظروف الموضوعية المحيطة به.

ويرجع ذلك إلى أن هذه الحوامل، وخاصة تلك الموجودة في مواقع السلطة، لم تنشأ عن خلفية أيديولوجية أو عقدية واحدة، ولا عن ولاءات سياسية وطبقية موحدة،

ولا عن تصور منسجم تجاه الظروف التي كانت البلاد العربية تعيشها وما زالت تعيشها.

أزمة الحوامل الاجتماعية الحاكمة

أدى فقدان الانسجام في التصور والهدف والعقيدة الفكرية والطبقية لدى هذه الحوامل الاجتماعية الحاكمة إلى جعلها تلهث وراء الحدث السياسي ومصالحها قبل أي شيء آخر. ونتيجة لذلك، أخذت تتقلب في رؤاها ومواقفها الفكرية والعملية بحسب طبيعة الحدث السياسي القائم،

وبحسب الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، الإقليمية والدولية، وكذلك الظروف الثقافية المحيطة به.

لذلك، نجد هذه القوى تميل تارة إلى المد الوطني والقومي حين يشتد المد القومي،

ثم تميل تارة أخرى إلى النزعة الإسلامية الشكلانية عندما تشعر بخطر المد الإسلامي والدعوة إلى الحاكمية.

غير أن هذه التحولات، في نهاية المطاف، تبقى محكومة بتوجه عام يميل غالباً إلى فكرة الاستبداد المستنير، وسيادة الحكم المطلق، والتفرد بالسلطة.

ومن هنا، يصبح التنوير العربي أمام مأزق حقيقي، لأن القوى التي يفترض أن تحمله أو تدافع عنه كثيراً ما تستخدم شعاراته عند الحاجة، ثم تعود إلى ممارسة سلطوية تنقض جوهره.

إشكالية نقل أفكار التنوير الغربي

لا بد من الإشارة هنا إلى مسألة مهمة في الفكر التنويري النهضوي العربي، وهي مسألة ما زالت تشكل إحدى إشكالات هذا الفكر حتى اليوم.

فمعظم الأفكار التنويرية لم تكن نتاجاً طبيعياً ومباشراً للواقع العربي المتخلف، وإنما كانت، في معظمها، رؤى وأفكاراً مستمدة من التنوير الغربي.

وقد تأثر بهذه الأفكار عدد من الكتاب والمتنورين العرب الذين درسوا في الغرب،

ثم عملوا على نقل قسم كبير منها وترجمته إلى الساحة الثقافية والسياسية العربية بصورة ميكانيكية.

ولهذا السبب، ظل قسم كبير من هذه الأفكار مفارقاً لظروف الواقع العربي الموضوعية والذاتية معاً.

وهذا ما يفسر أن قسماً كبيراً من الرؤى والأفكار التي طُرحت منذ بداية القرن التاسع عشر ما زال يُطرح حتى هذا التاريخ من القرن الحادي والعشرين،

وكأن الزمن لم يتغير، وكأن الإشكالات نفسها تعاد باللغة نفسها.

وقد طبع ذلك المشروع التنويري النهضوي العربي بطابع شكلاني، وحوّل الكثير من شعاراته العقلانية إلى شعارات وصفية لا أكثر.

العلمانية بين الفهم والتشويه

لا نستغرب، في ضوء هذه الأزمة، أن نجد من ينعت العلمانية ودعاتها، وهي من أهم مفردات التنوير، بالكفر والإلحاد. ويعود ذلك، في رأيي، إلى سببين رئيسيين.

الأول هو عدم فهم العلمانية من قبل جمهور مغيب عقلانياً،

لم تُتح له فرصة معرفية حقيقية لفهم الفرق بين الدين بوصفه قيمة روحية وأخلاقية، وبين توظيف الدين في السياسة بوصفه أداة للسلطة والصراع.

أما السبب الثاني فيرتبط بما تقوم به القوى الحاكمة التي تدعي العلمانية، مع أنها بعيدة عنها فكراً وممارسة.

فحين ترفع سلطة مستبدة شعار العلمانية وهي تمارس القمع والفساد والاحتكار، فإنها تسيء إلى المفهوم نفسه،

وتمنح خصومه فرصة لتشويهه وربطه بالكفر والإلحاد.

وهكذا يتحول سوء التطبيق إلى سبب إضافي في تعميق رفض الجمهور لمفهوم كان يفترض أن يساعد على تنظيم المجال السياسي في المجتمعات المتعددة.

أزمة السلطات الحاكمة ومصير المشروع التنويري

تكمن أزمة السلطات الحاكمة في عالمنا العربي في أنها كثيراً ما تعاملت مع التنوير بوصفه أداة خطابية، لا مشروعاً تاريخياً لتغيير بنية المجتمع والدولة.

فهي تتبنى بعض شعاراته عندما تخدم مصالحها، لكنها تتخلى عن روحه عندما يهدد امتيازاتها أو يفتح باب المحاسبة والمشاركة.

ولهذا السبب، ظل التنوير العربي يتحرك بين خطاب كبير وممارسة محدودة،

وبين شعارات واسعة وواقع سياسي يكرر الاستبداد والتفرد بالسلطة. فالمشكلة لا تكمن في غياب الشعارات التنويرية وحدها،

بل في غياب الحامل الاجتماعي والسياسي القادر على تحويل هذه الشعارات إلى مشروع تاريخي متماسك.

إن أزمة التنوير في عالمنا العربي ليست أزمة مفردة واحدة، بل هي أزمة وعي، وسلطة، وثقافة، وترجمة ميكانيكية، وممارسة سياسية متناقضة.

ولذلك، فإن الخروج من هذه الأزمة يحتاج إلى فهم جديد للتنوير،

ينطلق من واقع المجتمعات العربية نفسها، ويستفيد من التجارب الإنسانية الكبرى من دون أن ينسخها بصورة آلية.

الخلاصة

إن معطيات التنوير في عالمنا العربي واضحة في شعارات الحرية والعدالة والمساواة،

وفي الدعوة إلى المواطنة والتعليم والديمقراطية والعقلانية والعلمانية وفصل الدين عن السياسة.

غير أن معوقاته تكمن في ضعف الحوامل الاجتماعية، وتناقض النخب الحاكمة، وغلبة المصالح السياسية،

واستمرار النزوع إلى الاستبداد، والنقل الميكانيكي لأفكار التنوير الغربي من دون تكييفها مع الواقع العربي.

ومن هنا، لا يمكن إنقاذ المشروع التنويري النهضوي إلا عبر مراجعة عميقة لمقدماته وحوامله ومفاهيمه،

بحيث يتحول من شعارات وصفية متكررة إلى مشروع اجتماعي وثقافي وسياسي قادر على مخاطبة الواقع العربي، وتغيير شروطه، وبناء أفق جديد للعقل والحرية والعدالة.

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *