حملة الفجر ومأزق الفساد في العراق
ربما يتفق الجميع على أن الفساد لا دين ولا مذهب له، وأن منظومة الفساد في العراق كانت موجودة حتى قبل عام 2003.
وهذا يعني أن الملف ليس جديداً، بل هو أزمة قديمة تمددت بعد احتلال العراق، واتسعت رقعتها حتى شملت معظم مؤسسات الدولة.
لقد تحول الفساد إلى آفة ظاهرة تهدد الاستقرار السياسي في البلاد، وتجعله عرضة للتحديات والمخاطر الأمنية.
كما جعله تحت ضغط خارجي دائم، وأضعف ثقة العالم الغربي والوضع الإقليمي به، وهو ما انعكس على موقف الشركات العالمية التي لا تثق كثيراً بالوضع الأمني والسياسي العراقي.
ومن هنا جاءت حملة الفجر بوصفها اختباراً حساساً لقدرة الدولة على مواجهة هذه المنظومة، لا بوصفها مجرد إجراء عابر في ملف إداري أو قضائي.
علي الزيدي وشعار مكافحة الفساد
تمثل الحملة التي يقودها رئيس الوزراء السيد علي الزيدي لمكافحة الفساد في العراق واحدة من أكثر الملفات حساسية وإثارة للجدل في المشهد السياسي العراقي المعاصر.
فمنذ توليه رئاسة الوزراء في مايو 2026، جعل الزيدي مواجهة الفساد شعاراً مركزياً لحكومته.
أكد الزيدي أن لا حصانة لأحد، وأن الدولة لن تتسامح مع من استنزف المال العام أو استغل النفوذ السياسي لتحقيق مكاسب شخصية
. وقد جاءت هذه الحملة في وقت يعاني فيه العراق أزمة اقتصادية خانقة، وتراجعاً في الخدمات، وتآكلاً في ثقة المواطن بمؤسسات الدولة.
لذلك، حظيت الحملة باهتمام شعبي واسع، لأنها لامست واحداً من أكثر الملفات التصاقاً بحياة العراقيين اليومية.
فالفساد لم يعد قضية سياسية مجردة، بل صار سبباً مباشراً في تراجع الخدمات، وضعف الاقتصاد، وانسداد أفق الإصلاح.
المرحلة الأولى من حملة الفجر
شهدت المرحلة الأولى من حملة الفجر اعتقالات واسعة شملت نواباً ومسؤولين سابقين ورجال أعمال بارزين،
وذلك استناداً إلى اعترافات مسؤولين كبار في وزارة النفط. كما صادرت السلطات ملايين الدولارات نقداً، وأصولاً عقارية، ومصوغات ذهبية.
وأصدرت الجهات المختصة قرارات بمنع السفر بحق عشرات المسؤولين، في خطوة عكست رغبة الحكومة في منع هروب المتورطين أو تهريب الأموال. هذه الإجراءات قدمت صورة أولية عن جدية الحكومة في مواجهة الفساد، لكنها أثارت في الوقت نفسه أسئلة كبيرة حول حدود الحملة وسقفها الحقيقي.
فالسؤال الأهم لا يتعلق بالوجوه التي ظهرت في المرحلة الأولى فقط، بل بمدى قدرة الحملة على الوصول إلى الرؤوس الكبيرة.
فهؤلاء يُنظر إليهم باعتبارهم المستفيد الأكبر من منظومة فساد متجذرة منذ عام 2003.
البعد السياسي للحملة
سياسياً، أكد الزيدي أن الحملة ليست موجهة ضد خصومه، ولا تهدف إلى تصفية حسابات داخلية. بل قدمها بوصفها مشروعاً وطنياً لإعادة بناء الدولة على أسس القانون والشفافية.
غير أن مراقبين أشاروا إلى أن نجاحه يتوقف على قدرته في مواجهة شبكات النفوذ المرتبطة بالأحزاب والفصائل المسلحة.
فهذه الشبكات تمتلك أدوات ضغط قوية داخل مؤسسات الدولة وخارجها، وتستطيع تعطيل أي مسار إصلاحي إذا شعرت بأن مصالحها مهددة.
كما أن توقيت الحملة، المتزامن مع زيارة الزيدي المرتقبة إلى واشنطن، فُسّر على أنه محاولة لإظهار جدية حكومته أمام المجتمع الدولي.
ويأتي ذلك خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية لحصر السلاح بيد الدولة، وملاحقة شبكات الفساد التي تمول الفصائل.
تحديات حملة الفجر وشبكات النفوذ
ليست التحديات أمام حملة الفجر قليلة، لأن شبكات الفساد في العراق متشابكة ومعقدة.
فهي ترتبط بمصالح اقتصادية وسياسية وأمنية،
وهذا يجعل المواجهة معها معركة طويلة الأمد لا تنتهي بقرار واحد أو موجة اعتقالات محدودة.
هناك مخاوف جدية من أن تتحول الحملة إلى مجرد استعراض سياسي، إذا لم تصل إلى كبار المتورطين ولم تُسترد الأموال المنهوبة بشكل فعلي.
فالعراقيون سبق أن عاشوا تجارب كثيرة في مكافحة الفساد، لكنها لم تنته غالباً إلى نتائج بحجم الوعود التي رافقتها.
كما أن أي انتقائية في تنفيذ الإجراءات، أو غياب للشفافية في عرض نتائج التحقيقات، قد يقوض الثقة الشعبية بالحملة.
وعندها ستُعاد إنتاج حالة الإحباط التي عاشها العراقيون في تجارب سابقة، حين رفعت الحكومات شعارات الإصلاح من دون أن تمس البنية العميقة للفساد.
الدعم الشعبي وفرصة استعادة الثقة
رغم هذه التحديات، فإن الدعم الشعبي والسياسي للحملة يمنحها زخماً كبيراً.
فقد أعلنت قوى سياسية بارزة تأييدها الكامل للخطوات التي اتخذها الزيدي،
فيما يرى مواطنون كثر في هذه الحملة فرصة لاستعادة الثقة بالدولة بعد سنوات من الفشل الإداري والمالي.
إذا نجحت الحكومة في المضي قدماً من دون تراجع، فقد تشكل هذه الحملة بداية فعلية لإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة.
كما قد تفتح الباب أمام إصلاحات أوسع تشمل الاقتصاد، والأمن، والخدمات.
لكن هذا النجاح لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل يحتاج إلى استمرار، وشفافية، ومحاسبة عادلة، واسترداد حقيقي للأموال المنهوبة.
فالمواطن لا يريد حملة إعلامية مؤقتة، بل يريد تحولاً ملموساً في طريقة عمل الدولة.
دق أبواب الجحيم السياسي
إن حملة علي الزيدي ضد الفساد ليست مجرد إجراءات قضائية،
بل مشروع سياسي يختبر قدرة الدولة العراقية على مواجهة أخطر التحديات التي تهدد وجودها واستقرارها.
فالحملة، إذا مضت إلى نهايتها، ستدق أبواب الجحيم السياسي أمام شبكات اعتادت الحماية والنفوذ والقدرة على الإفلات من المحاسبة.
ولهذا، فإن نجاحها أو فشلها سيحدد ملامح المرحلة المقبلة. كما سيكون له أثر مباشر على مستقبل النظام السياسي العراقي،
وعلى ثقة المواطن بمؤسساته، وعلى قدرة الدولة على استعادة هيبتها في الداخل والخارج.
في المحصلة، لا تقاس حملة الفجر بعدد الاعتقالات وحده، بل بقدرتها على كسر منظومة الفساد واسترداد المال العام.
فإذا بقيت الحملة عند حدود الأسماء الثانوية، ستتحول إلى فصل جديد من خيبة العراقيين، أما إذا وصلت إلى الجذور، فقد تفتح باباً حقيقياً لإصلاح الدولة.


