كربلاء بين النهج واللافتة: مفارقة الدم والمغنم في مشهد الصراع المحتدم

نهج كربلاء بين الدم والمغنم في مشهد الصراع
قراءة نقدية في كربلاء بين النهج واللافتة، من قادة المواجهة والزهد إلى فساد بغداد، والحياد السلبي، وسؤال عاشوراء بوصفها موقفاً لا طقساً عابراً...

نهج كربلاء ومفارقة المشهد المحتدم

منذ صيف العام الماضي، تعيش المنطقة على صفيح ساخن.

هذا الصفيح يعيد رسم الخرائط. كما يفرز المواقف، ويكشف المعادن، ويضع الشعارات أمام اختبار الدم والحقيقة.

ومن يقرأ المشهد الدرامي المحتدم بتمعن، يلحظ شرخاً عقائدياً وأخلاقياً واضحاً بين مشروعين.

ينتسب المشروعان، ظاهرياً، إلى مرجعية كربلاء.

لكن الواقع يباعد بينهما مباعدة الشرق عن الغرب.

هناك مشروع تنهال عليه الصواريخ، لأنه اختار خط المواجهة.

وهناك مشروع آخر تتحصن شخوصه في القصور، بعد أن نخرها الفساد حتى العظم.

وهنا تظهر مفارقة نهج كربلاء بوضوح: فريق يدفع الدم ثمناً للموقف، وفريق يرفع اللافتة كي يحمي المغنم.

بين رجال الدم ورجال المغنم

في هذه اللوحة المتناقضة، يبرز رجال يُقتلون لأنهم صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

وفي المقابل، يظهر رجال تحميهم السلطة، لأنهم خانوا الأمانة.

يمّم هؤلاء وجوههم شطر المصالح والتبعية.

وفي الوقت نفسه، يقبع العشرات من حواشيهم في السجون بتهم نهب المال العام، وهي تهم أثارت اشمئزاز العالم.

لذلك، لا يدور الصراع هنا حول الشعارات فقط.

بل يدور حول الفرق بين من يحوّل كربلاء إلى نهج، ومن يحوّلها إلى لافتة سياسية.

فالأول يقرأ كربلاء بوصفها موقفاً ومصيراً. أما الثاني فيستخدمها ستاراً للصفقات والمغانم.

طهران: قادة في العراء وصواريخ فوق الطاولة

في إيران، حيث تشتد حلقات الحصار والتآمر، لا تستهدف صواريخ العدو واستخباراته أشباحاً.

بل تستهدف عقولاً حية تدير المشروع.

هناك، من العالم النووي إلى القائد العسكري، يعيش كثيرون في شقق عادية.

يمشون في الأزقة البسيطة. ويركبون حافلات متواضعة.

لكن العدو يغتالهم لأنهم يشكلون خطراً وجودياً على الكيان الصهيوني.

كما يرى فيهم خطراً على المشاريع الغربية الرامية إلى تفتيت المنطقة واستعباد شعوبها.

في المواجهات الأخيرة، ورغم الاختراقات الاستخباراتية وشبكات التجسس، سقط القادة شهداء في بيوت بسيطة.

وقد وظفت تلك الشبكات خلايا الموساد، ومنافقي خلق، وبعض العمالة الوافدة.

ومع ذلك، لم يسقط هؤلاء في قصور محصنة.

بل سقطوا في منازل لا تليق بمراتبهم، ولا بحجم الخطر الذي يمثلونه.

نهج كربلاء في الزهد والمواجهة

اختار هؤلاء أن يكونوا أبناء النهج العلوي الزاهد.

ولم يختاروا أن يكونوا أبناء السلطة الباذخة.

هناك، يتحدى القائد أعلى سلطة في البيت الأبيض بشعار: نموت ولا نستسلم.

وهناك يسقط الشهيد في منزله المتواضع، يحيط به أهله.

ويخرج من الدنيا كما ولدته أمه، على خطى جده علي بن أبي طالب.

بهذا المعنى، لا يظهر نهج كربلاء في اللافتة أو الشعار فقط.

بل يظهر في طريقة العيش، وفي طبيعة الموت، وفي المسافة بين الزهد والسلطة، وبين الموقف والمغنم.

بغداد: التشيع من قضية وطن إلى سوق مغانم

في المقابل، يتبدى مشهد عراقي مأزوم.

فقد استُبيحت سيادة البلد، وتحول التشيع لدى النخبة الحاكمة إلى سلعة ويافطة سياسية.

لم يرث هؤلاء من كربلاء سوى شعاراتها ومواكبها.

واستبدلوا قيم الإمام علي بنهج المغانم والمحاصصة.

موازنات انفجارية بمليارات الدولارات.

رواتب خيالية.

مواكب حمايات مدججة.

قصور فارهة.

ومظاهر بذخ فاحش طالت حتى نمط الحياة اليومي وعائلاتهم.

وهذه كلها تكشف مفارقة أخلاقية صارخة.

فبينما ينتج مشروع المقاومة في إيران قادة يموتون ليولد غيرهم، تولد في العراق الصفقات المشبوهة.

كما يعيد النظام تدوير الفاسدين تحت لافتة حماية المذهب، وهم أبعد الناس عن فكر الحسين.

كربلاء بين اللافتة والقصور

تزداد المفارقة حين تتحول كربلاء إلى شعار داخل قصور الفساد.

فالقادة الذين يرفعون اللافتة الحسينية يقيمون المآتم داخل قصور مغتصبة.

وتسيل هناك دموع الزيف والنفاق.

ولعل استقالة عدد من القضاة مؤخراً احتجاجاً على ضغوط تمرير ملفات تمس السيادة العراقية، مثل ملف خور عبد الله، تكشف حجم التغول السياسي على مؤسسات الدولة.

هذا التغول لا يمثل خللاً إدارياً عابراً.

بل يكشف أن الدولة نفسها أصبحت ساحة ضغط، وأن مؤسساتها تواجه إرادة سياسية تريد تحويل القانون إلى أداة خدمة للمصالح.

ومن هنا، يصبح الحديث عن نهج كربلاء اختباراً أخلاقياً قاسياً.

فمن يرفع شعار الحسين ثم يحمي الفساد، لا ينتمي إلى كربلاء إلا في الصورة.

مفارقة الجغرافيا وعقدة الحياد السلبي

يتجلى التشيع في طهران، وفق هذا السياق، كمشروع قوة.

إنه دم، وعلم، ومراكز أبحاث، وصواريخ، ومواقف راسخة.

أما في السياسة الرسمية لبغداد، فقد تحول إلى استعراض مناسبات، وحقائب أموال، وعقود تجارية.

في إيران، يستلهم المشروع علي بن أبي طالب الذي قال:

لو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل ولباب هذا القمح.

لكنه اختار الجوع كرامة.

أما في العراق، فقد غدا اسم علي واجهة لمواكب تقطع الشوارع.

ومن خلف هذه المواكب، تفتح أبواب المصارف لتهريب الأموال.

فتوى الجهاد وذاكرة الدم

للتاريخ كلمة لا تُمحى.

حين تداعت جيوش الإرهاب الداعشي على العراق عام 2014، وانهارت خطوط الدفاع والقيادات، هبت إيران لتقديم الدم والسلاح والمستشارين بلا منّة ولا شرط.

ولولا تلك الوقفات، وتضحيات الفتوى والحشد الشعبي، لما بقي للدولة اسم، ولا للعتبات أثر.

لكن المفارقة المأساوية تكمن هنا.

فالبلد الذي سُند بالدم تحولت أجواؤه اليوم إلى ممر للطائرات الصهيونية التي تستهدف إيران وقادتها.

وقد حدث ذلك بسبب عجز السلطة، ونخر الفساد، والعمالة لجسد الدولة.

وحين ارتفعت أصوات ترفض هذا الواقع، أو تنتقد عمق الروابط التاريخية، جاءت الرسائل الميدانية والزيارات الأخيرة صفعة مدوية.

وقد وقعت هذه الصفعة على وجوه المتخاذلين الذين بايعوا القاتل سراً، حفاظاً على عروشهم.

عاشوراء: طقس عابر أم ثورة موقف؟

اليوم، يقف العراق الرسمي على أرض مباحة للموساد والطيران الأجنبي.

وتلوذ حكومته وشبكة سياسته بشعارات الحياد الإيجابي المزعوم.

يشاهد هؤلاء الحليف يُضرب، والمجاهد يُغتال.

وفي الوقت نفسه، يحرصون على عدم إغضاب الراعي الأميركي.

كما يحرصون على عدم التخلف عن قطار التطبيع المبطن.

ومع حلول ذكرى عاشوراء، تتجلى الحقيقة العارية.

فكربلاء ليست مجرد جغرافيا.

بل هي موقف.

وتتجسد اليوم في جبهات المقاومة، حيث يُسل سيف ذو الفقار، وتُرفع الراية حقاً في الميدان.

هنا يعود السؤال إلى ضمير الأمة.

هل ستكونون جزءاً من هذه الحقيقة اللاهبة؟

أم ستظل عاشوراء مجرد طقوس بكائية وشعارات معزولة عن روح القتال والوفاء؟

بقي شيء: التاريخ لا ينسى

ليست كربلاء لافتة يرفعها الفاسد عند الحاجة.

وليست موسم بكاء يغسل به اللصوص وجوههم أمام الناس.

كربلاء ميزان.

ومن يقف معها لا يختبئ خلف القصور، ولا يبيع السيادة، ولا يحوّل المذهب إلى سوق مغانم.

لذلك، سيستذكر التاريخ من خان ومن صان.

ولتذهب عروش اللصوص والجبناء إلى مزابل التاريخ.

ففي نهاية الأمر، لا ينتصر من يرفع الشعار فقط.

بل ينتصر من يحمل نهج كربلاء حين يصبح الدم ثمناً للموقف، لا سلعة في سوق السياسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *